JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Home

نحن من نُعين عدوَّنا على أنفسنا… لماذا؟


 د.محمود الهاشمي 

مدير مركز الاتحاد للدراسات 

الاستراتيجية 

1-10-2026

يبدو أن العرب اعتادوا أن يفرّوا من ميدان المعركة قبل نهايتها، سواء أكانوا قد انتصروا فيها أم خسروا؛ فهم لا يملكون ـ في كثير من الأحيان ـ ذلك الصبر والثبات اللذين دعا إليهما الإمام علي عليه السلام في وصيته لولده محمد بن الحنفية:

«تَزُولُ الْجِبَالُ وَلَا تَزُلْ، عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ، أَعِرِ اللَّهَ جُمْجُمَتَكَ، تِدْ فِي الْأَرْضِ قَدَمَكَ، ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ، وَغُضَّ بَصَرَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ».

ولعل من أبرز صور هذا التراجع أن أطول مواجهة خاضتها الجيوش العربية مع العدو الصهيوني لم تستمر ـ في بعض مراحلها ـ إلا أياماً معدودة قبل أن تبدأ مسارات التراجع والمهادنة، وصولاً إلى التطبيع والإعلان الصريح بأن «99 في المائة من أوراق اللعبة والحل بيد أميركا».

إن هذا الجزع من الحرب، والإسراع إلى المهادنة، يحدث أحياناً حتى بعد تحقق جزء من الانتصار، وكأن المعركة تصبح عبئاً بمجرد أن يطول أمدها. ولعل الإمام علي عليه السلام عبّر عن هذه الحالة بقوله:

«فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالْمَرْأَةِ الْحَامِلِ، حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ، وَمَاتَ قَيِّمُهَا، وَطَالَ تَأَيُّمُهَا، وَوَرِثَهَا أَبْعَدُهَا».

ومن هنا يبرز سؤال آخر: لماذا نُعين عدوَّنا على أنفسنا؟

منذ أعوام، تخوض المقاومة معركة شرسة ضد العدو الصهيوني، متحمّلةً تبعات المواجهة من قتل وتجويع وتهجير وهدم وغير ذلك. ومع ذلك، لم نرَ ـ على سبيل المثال ـ خروج امرأة من أهالي غزة لتشتكي للإعلام من المقاومة، أو لتحمّلها وحدها مسؤولية ما أصاب المدنيين من فقدٍ للأبناء والآباء والبيوت.

لكن الذي خرج للطم والبكاء، نيابةً عن الأمة، كان في كثير من الأحيان القادة العرب ووسائل الإعلام العربية؛ إعلامٌ انشغل بتعداد الفواجع التي وقعت على الأمة، وبالحديث عن الحرب وكأن المقاومة هي التي ورّطت العرب فيها، ثم ذهب أبعد من ذلك حين وصف مرور صواريخ المقاومة في الأجواء العربية باتجاه الكيان بأنه «انتهاك للسيادة العربية»، واحتفى بإسقاط الدفاعات الجوية لبعض هذه الصواريخ، إلى جانب بيانات الشجب والاستنكار والتنديد.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: أين تكمن الأولويات؟

يبدو أن بعض القادة العرب لا يريدون أن يروا أميركا مهزومة؛ فهي بالنسبة إليهم العمة التي تظلهم بظلها والتي تربوا باحضانها واطعمتهم من (لحم ثورهم )وهم سعداء ..

وقد يكون بعض هؤلاء القادة منزعجاً من حكومة إسرائيل، ويطلق عليها أوصافاً قاسية، لا رغبةً في زوال إسرائيل، وإنما لأن حكومة نتنياهو ـ ـ تسبّب حرجاً للولايات المتحدة لاغير .!

إنهم يرون القواعد الأميركية تتعرض للقصف، ويرون الجنود الأميركيين يُقتلون ويفرون .ويرون ما تتعرض له إسرائيل، لكنهم لا يتمنون لهذه المواجهة أن تصل إلى نهايتها؛ خشية أن يؤدي تراجع إسرائيل إلى تراجع النفوذ الأميركي، واهتزاز منظومة كاملة ارتبط وجودهم بها،فيزول حكمهم .


ويرى بعض القادة العرب في وجود محور للمقاومة على أرض البلدان التي يحكمونها حرجاً وإزعاجاً؛ لأنه يزعج أميركا وإسرائيل. وبدلاً من دعم المقاومة وسلاحها، يذهبون إلى تقديم الوعود للولايات المتحدة وإسرائيل بأنهم سيعملون على نزع هذا السلاح الذي يسبب لهم هذا «الإزعاج».

وحين تسألهم عن سبب هذا الإصرار على نزع سلاح المقاومة، يأتي الجواب: «دعم الدولة» و«حماية سيادة الدولة».

وهنا يطرح السؤال نفسه:

هل كانت هناك دولة مكتملة السيادة، تحظى بكل هذا الحرص، قبل معركة طوفان الأقصى؟

سؤالٌ كثيراً ما يبقى بلا جواب.

الحمد لله أن الإيرانيين لا ينشغلون كثيراً بقرارات القادة العرب ولا ببياناتهم واجتماعاتهم، وكأنهم يحفظون تلك البيانات عن ظهر قلب قبل ان تصدر ، ثم يتركونها جانباً ليتفرغوا لما يرونه معركتهم الأساسية.

إنهم منشغلون بأميركا، يراقبون حركتها في الداخل والخارج، ويمتلكون مؤسسات وأجهزة ومراكز متابعة واسعة، فضلاً عن منظومة إعلامية ضخمة.

وتشير التجربة الإيرانية إلى أن الإعلام هناك لا يُنظر إليه باعتباره مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل باعتباره جزءاً من إدارة المجتمع أثناء الأزمات. فالمؤسسات الإعلامية واسعة الانتشار ومجهزة بأحدث التقنيات، وتعمل إلى جانب شبكة كبيرة من المؤسسات الثقافية والفنية والاجتماعية.

ومنذ بداية الحرب على بلادهم، وحتى اليوم، يخرج الشعب الإيراني إلى الساحات العامة في مختلف المناطق؛ حيث المسارح التي تقدم الأعمال الفنية من مسرح وفنون مختلفة، والمعارض الفنية واللوحات، والإنشاد، وقراءة الأدعية وتلاوة القرآن، ولكل مساحة نشاطها وجمهورها.

وهناك أيضاً مسارح وعروض خاصة بالأطفال، ومواكب تقدم الطعام مجاناً من التبرعات، فضلاً عن النقل الإعلامي المباشر لهذه الفعاليات المتنوعة.

وقد يصعب على الزائر أن يعرف كيف تُدار كل هذه الأنشطة، ومن هي الجهة التي تقف خلف تنظيمها، إلا أن النتيجة الأهم هي أن المواطن لا يشعر بأنه متفرج على المعركة من بعيد، بل يصبح جزءاً من المشهد العام، وجزءاً من روح الصمود والحياة اليومية.

وهذا التقليد أفاد الدولة والمجتمع معاً؛ لأن المواطن يصبح جزءاً من روح المعركة والحلول، ولا يحتاج إلى أن ينكفئ في منزله ليلاً، مكتفياً بما تنقله له وسائل الإعلام من روايات مختلفة، وربما متناقضة أو مشوهة.

بل إن الحياة اليومية نفسها تستمر.

وخلال أيام الحرب، ازدادت الرحلات والسفرات السياحية للإيرانيين بصورة لافتة، وربما كان وراء ذلك معنى يتجاوز الترفيه؛ إذ إن استمرار الحياة الطبيعية في زمن الحرب يمكن أن يكون بحد ذاته رسالة صمود.

أما القرار في إيران، فقد عجزت مؤسسات بحثية كبيرة عن فهمه بصورة كاملة؛ لأن جذور الدولة، كما تبدو من تجربتها، تمتد من هرم القيادة إلى أصغر مؤسسة سياسية أو اجتماعية أو دينية.

ولهذا، حين تغيب بعض القيادات لسبب او لاخر ، لا يغيب القرار.

وقد يتبادل القادة الإيرانيون المسؤوليات والمواقع والإدارات، وقد يبدون مختلفين أحياناً في الأسلوب والرؤية، لكن ذلك لا يعني ـ بالضرورة ـ اختلافهم في الثوابت التي يرونها مرتبطة بمصلحة وطنهم.

ومن اللافت أيضاً أنهم حين تزورهم شخصية ثقافية أو فكرية، يبادرون سريعاً إلى لقائها والاحتفاء بها، وقد يُعدّ لها برنامج من اللقاءات والزيارات مع كبار المسؤولين، وفقاً لتخصصها، ثم يجلسون للاستماع إليها وكأنهم تلاميذ في مدرسة.

إنهم يحاولون الاستفادة من الطاقات التي تصل إليهم، أياً كان مجالها، وتسخيرها لخدمة وطنهم ومشروعهم.

ولعل أكبر مشكلة تواجهنا نحن العرب أننا نُعين عدوَّنا على أنفسنا.

بدلاً من أن نطوّر أسلحتنا، نذهب إلى نزعها.

وبدلاً من أن نحافظ على أموالنا ونستثمرها في بلداننا، نضع جزءاً كبيراً منها في خزائن الولايات المتحدة.

وبدلاً من أن نكون أوصياء على ثرواتنا وقراراتنا، نضعها ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ تحت وصاية امريكا .

ولعل المشهد العراقي بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق يقدم مثالاً صارخاً على حجم المفارقة.

فبعد انسحاب القوات الأميركية نتيجة ضربات المقاومة، بدأ بعض الأصوات العراقية يعبّر عن الحزن على رحيلها؛ فمنهم من أقسم أن يعاقب الذين أخرجوا الأميركيين وأن ينزع سلاحهم، بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك في القسوة عليهم .

ومنهم من توقّع شراً قائلاً إن «الإرهاب سيعود»، ومنهم من بكى حزناً على فراق القوات الأميركية، باعتبارها ـ في نظره ـ «الموازن» بين الطوائف والسياسات.

أما الذين ارتبطوا بالمشروع الأميركي ارتباطاً وثيقاً، فقد تمنوا لو أُتيح لهم أن يمسكوا بأذيال عربات الأميركيين ويفرّوا معهم.

ومع ذلك، يبقى ما يبعث على الاطمئنان،، أن الدولة التي تبنّت المقاومة ورعتها أكبر من كل هذه الهزائم والتراجعات؛ لأنها تنظر إلى الصراع بوصفه معركة طويلة الأمد، وتبني قراراتها على فهم لطبيعة خصمها، وترى في خروج القوات الأميركية من العراق نصراً للمقاومة وخطوة في طريق شرق أوسط أقل خضوعاً للنفوذ الأميركي.

وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة في قوة العدو وحدها، بقدر ما تكمن أحياناً في قدرتنا نحن على منحه الأدوات التي يحتاجها.

فالعدو لا يحتاج دائماً إلى أن يهزمنا بنفسه؛ يكفي أحياناً أن نختلف، ونتراجع، وننزع أسلحتنا بأيدينا، ونبدّد قوتنا، ثم نختلف على من يتحمل مسؤولية الهزيمة.

وهنا يعود السؤال الأول ليكون أكثر إلحاحاً:

هل عدوُّنا هو الذي يهزمنا دائماً، أم أننا نُعينه على أنفسنا ؟

NameEmailMessage