JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Home

إعلام الطيور حين تزقزق الشائعات وتُدفن الحقيقة


 د. جواد التونسي

في زمن كثرت فيه المنصات الإعلامية، وتعددت البرامج السياسية، أصبحنا أمام ظاهرة غريبة تستحق التوقف والمراجعة، وهي ظهور بعض الإعلاميين الذين نصبوا أنفسهم مصادر للمعلومات السياسية والأمنية، دون أن يقدموا دليلاً أو وثيقة أو مصدراً موثوقاً لما يعلنونه، فتارة يقول أحدهم " قالت العصفورة"، وآخر يخرج علينا قائلاً " أخبرنا الهدهد"، وثالث ينقل عن البومة، ورابع يستند إلى ما قاله الغراب، وكأننا انتقلنا من عالم الصحافة والتحقيق والتوثيق إلى عالم حكايات الحيوانات والطيور، والأغرب من ذلك أن هذه الروايات لا تتوقف عند حدود الأخبار العادية، بل تتناول مصير العراق ومستقبله السياسي، وتضع أسماء مسؤولين وبرلمانيين على قوائم عقوبات أمريكية مزعومة، وتتحدث عن حكومة جاهزة تنتظر ساعة الصفر، وعن قائد عسكري سيظهر ليتولى زمام الأمور في البلاد، وعن رؤساء وزراء سيجري اعتقالهم ونقلهم إلى معتقل غوانتنامو، وكأن هؤلاء يمتلكون مفاتيح البيت الأبيض وقرارات البنتاغون، ويعرفون ما يدور خلف الأبواب المغلقة قبل أن تعلنه المؤسسات الرسمية، إن الخطورة هنا لا تكمن في مجرد إطلاق توقعات سياسية، فالتوقع حق لكل محلل وإعلامي، وإنما في تقديم التكهنات والشائعات على أنها حقائق مؤكدة، والتلاعب بمشاعر المواطنين، وإثارة القلق والارتباك في الشارع العراقي، فالعراق ليس ساحة تجارب إعلامية، ولا مستقبل شعبه مادة للتسلية والتكهنات، ولا يجوز تحويل أسماء إلى قوائم اتهام وعقوبات دون وثائق أو بيانات رسمية، إن العقوبات الأمريكية لها مؤسساتها وإجراءاتها وإعلاناتها الرسمية، ويمكن لأي صحفي محترف الرجوع إلى وزارة الخزانة الأمريكية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية للتحقق من الأسماء والقرارات المنشورة، بدلاً من الاعتماد على عصفورة مجهولة أو غراب لا يعرف أحد أين يقيم، لكن السؤال الأكبر الذي ينبغي أن نطرحه هو لماذا بقي العراق، بعد أكثر من عقدين من التغيير السياسي، يعاني من أزمات الكهرباء والخدمات والإنتاج؟ ولماذا لم يتمكن من بناء اقتصاد متنوع يعتمد على الزراعة والصناعة والاستثمار، بدلاً من الارتهان شبه الكامل لإيرادات النفط والاستيراد، لقد أصبحت الكهرباء عنواناً دائماً لمعاناة العراقيين، رغم الأموال الطائلة التي أنفقت على هذا القطاع، ومع ذلك، فإن القول إن منظومة الكهرباء لم تُبنَ منذ 23عاماً ، رغم انه قد أضيفت قدرات توليدية كبيرة ، لكن المشكلة بقيت في كفاءة المحطات والوقود وشبكات النقل والتوزيع والصيانة والهدر، وهذا ما تشير إليه تقارير صندوق النقد الدولي ، وهنا يبرز تساؤل سياسي مشروع هو ما طبيعة الدور الأمريكي في العراق، وهل تريد واشنطن عراقاً مستقراً وقادراً على اتخاذ قراراته الاقتصادية والسياسية باستقلالية، أم أن استمرار نفوذها وأوراق ضغطها المالية والسياسية يجعلها حريصة على إبقاء العراق ضمن دائرة التأثير والصراع الإقليمي؟، ولا يمكن تجاهل حجم النفوذ الأمريكي في الملف المالي العراقي، ولا سيما أن عائدات النفط تمر عبر ترتيبات مالية دولية تمنح واشنطن أدوات تأثير مهمة، وقد تحدثت تقارير صحفية عن استخدام التهديد بالعقوبات والضغط على التحويلات المالية في سياق الخلافات السياسية العراقية الأمريكية ، إن العراق لا يحتاج إلى حكومة تُعلنها العصافير، ولا إلى قائد عسكري تتنبأ به الغربان، ولا إلى قوائم عقوبات تصنعها البرامج التلفزيونية، العراق يحتاج إلى دولة مؤسسات، وحكومة تعمل، وقضاء مستقل، وإعلام مهني، وكهرباء مستقرة، ومصانع تعمل، وحقول زراعية منتجة، وفرص عمل تحفظ كرامة المواطن، أما بعض الإعلاميين الذين يتاجرون بالغموض والشائعات، فنقول لهم" اتقوا الله في العراق وأهله "، فالصحافة ليست مسابقة في إطلاق التنبؤات، ولا منصة لتخويف الناس، ولا حديقة للطيور والحيوانات، الصحفي الحقيقي لا يقول قالت العصفورة، بل يقول هذه وثيقتي، وهذا مصدري، وهذه الحقيقة التي أتحمل مسؤولية نشرها، فالعراق أكبر من عصفورة، ومستقبل شعبه ليس لعبة في مناقير الطيور.

NameEmailMessage