بقلم//
الكاتب والخبير السياسي
حسن درباش العامري
في لحظة تاريخية فريدة مشحونة بالتوتر، يتصاعد الحديث عن مواجهة كبرى قد تنفجر بين الولايات المتحدة وحليفتها اسرائيل بدعم مالي خليجي وبين الجمهورية الإسلامية في إيران، خاصة مع عودة شخصيات سياسية ذات نزعة عنصرية تصعيدية مثل دونالد ترامب، الذي يبحث عن “النصر السريع”ويجدة أداة لاثبات شخصيته و لإعادة تثبيت الهيبة الأمريكية.بعد الاخطاء الجسيمه التي رافقت عودته للسلطة.
لكن السؤال الحقيقي ليس:
هل ستندلع الحرب المباشرة ؟
بل:
إذا اندلعت (لاني اجدها مجازفة حقيقيه لامريكا )… هل ستعيد رسم خرائط المنطقة كما صورها الكاتب والاعلامي عباس الشطري ، أم ستعيد فقط توزيع موازين القوة داخلها؟كما اتصورها انا،
أولاً: وهم “الحرب الحاسمة”..
التاريخ الحديث يثبت أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على خوض حروب حاسمة في الشرق الأوسط.لعدة اسباب واولها العجز المالي الكبير الذي تعاني منه الولايات المتحدة
من غزو العراق 2003 إلى أفغانستان وثانيها حربي اوكرانيا وتقديم الاسلحه لاوكرانيا وحرب ال١٢يوم بين امريكا واسرائيل ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية وثالثها الرفض السياسي والشعبي الكبير الذي يضع اي رايس امريكي يقدم على ذلك في موضع الرفض ، وكذلك تجربه امريكا السابقة مع ايران ،
اليوم، أي مواجهة مع إيران ستختلف جذرياً:
إيران ليست دولة معزولة وهي تمتلك شبكة حلفاء إقليميين
قادرة على نقل المعركة خارج حدودها او توسيع رقعتها بما يعد مخاطرة كبيره وغير مقبوله بالمصالح الأمريكية في المنطقة.
لذلك، الحرب – إن وقعت – لن تكون “غزواً”، بل حرب استنزاف متعددة الجبهات ترهق امريكا بمجالات كثيرة .
ثانياً: لإيران… استراتيجية النفوذ وبناء العلاقات السلمية لا الاحتلال
على عكس ما يُروّج، لا تعمل إيران على احتلال الدول ، بل على:
بناء نفوذ وعلاقات سياسية وعسكرية
وإدارة صراعات منخفضة الحدة ان اضطرت لذلك.
مناصرة ومساعدة حلفاءها كخط دفاع أول
وهذا ما يجعلها لاعباً معقداً:
هي لا تحتاج إلى احتلال الخليج…
بل تحتاج إلى جعله مستقرا بما يكفي لفرض استقرارها الداخلي ،
أي تصعيد كبير للمنطقة سيترجم إلى:
تهديد الملاحة في الخليج وهذا يحدث ضررا كبيرا للاقتصاد العالمي .
قد يقدم على ضربات صاروخية كما يفعل الان وتحريك مقاومه غير مباشرة من اطراف اخرى
توسيع رقعة الاشتباك
لكن دون الانزلاق إلى احتلال مباشر يفتح عليها أبواب العالم.
ثالثاً: الخليج… بين القوة والهشاشة
دول الخليج تبدو قوية اقتصادياً، لكنها تعاني من معادلة حساسة:
ثروة هائلة
مقابل عمق استراتيجي محدود
أي حرب طويلة ستضع هذه الدول أمام اختبار صعب:
هل تستطيع حماية منشآتها الحيوية؟
هل تتحمل حرب استنزاف اقتصادية؟
لكن في المقابل:
الحديث عن انهيارها السريع أو تفككها هو مبالغة لا تدعمها الوقائع.
فالأنظمة هناك:
مدعومة دولياً كونها تمثل دكاكين لبيع الطاقة عالميا .
تمتلك أدوات احتواء وتماسك داخلية قوية كونها صغيرة نسبيا واحيانا تربطها روابط اسرية او قبلية ،
رابعاً: تركيا… تؤمن بالتوسع تحت سقف الممكن ولاتقدم على المغامرات غير المحسوبة ،
تركيا لاعب براغماتي بامتياز.وهكذا لاعب لايغامر ،
هي تستغل الفوضى… نعم ستفعل
و تعمل على توسّع نفوذها… نعم اكيد ستفعل
لكنها تدرك حدودها جيداً:
وهي تدرك ان أي توسع مفرط في العراق سيصطدم بإيران
وأي مواجهة مباشرة ستفتح عليها جبهات لا تريدها
لذلك، سياستها قائمة على:
“التمدد دون الانفجار”
خامساً: إسرائيل… من الردع إلى الاستنزاف
إسرائيل لا تواجه تهديداً وجودياً فورياً، لكنها أمام تحول خطير:
تعدد الجبهات وهذا الوضع سيستنزف قوتها ويهددها وجوديا ،
تصاعد قدرات الخصوم حتى انها عجزت عن صد الكثير من الصواريخ التي دمرت البنى التحتيه ومصادر الاقتصاد الداخلي ،
تراجع الردع التقليدي لديها بل حتى انها تعتقد ان الردع النووي يوشع على التراجع في حالة امتلاك اي من خصومها على السلاح النووي وهذا سيهدد تحقيق احلامها التوسعيه .
وهكذا في أي حرب إقليمية:
لن تسقط إسرائيل… لكنها قد تفقد تفوقها المريح.وهذا بحد ذاته تحول استراتيجي كبير.
سادساً: العراق… ساحة الحسم لا القرار
يبقى العراق هو العقدة الأخطر في هذا المشهد.
ليس لأنه الأضعف فقط…
بل لأنه:
ساحة تلاقي النفوذ الإيراني والأمريكي
وممر جغرافي لأي تصعيد
في حال توسعت الحرب:
سيتعرض لضغط داخلي هائل
وقد يتحول إلى ساحة صراع مفتوح
لكن:
سيناريو التقسيم الكامل لا يزال مرتبطاً بانهيار شامل… لم يحدث بعد.
سابعاً: النظام العالمي… التحول البطيء
الصين تصعد… نعم
لكنها لا تقود حرباً، بل تقود اقتصاداً.
أما الولايات المتحدة:
تتراجع نسبياً
لكنها لم تنسحب ولن تستغني عن مصالحها الاقليمية
نحن لا نشهد “سقوط نظام”…
بل:
إعادة توزيع القوة داخل النظام نفسه
الخلاصة: ما الذي قد يحدث فعلاً؟
إذا اندلعت الحرب:
... لن نشهد إعادة رسم شاملة للخرائط
.... لن تنهار الدول الكبرى فجأة
.... لن تختفي القوى التقليدية
لكننا قد نشهد:
استنزافاً إقليمياً واسعاً، صعود نفوذ إيران دون إعلان انتصار ،،تراجع الهيبة الأمريكية دون انسحاب كامل
تحول إسرائيل من قوة ردع مطلق إلى قوة تحت الضغط
اي ان
الشرق الأوسط لا يتجه نحو الانهيار الشامل… بل نحو فوضى مُدارة يعاد فيها توزيع النفوذ لا رسم الحدود.
