JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Accueil

العقل الشيعي الكوفي.. من ذاكرة الخذلان إلى هندسة السياسة العراقية


 محمد البغدادي

لم تكن الكوفة مجرد مدينة في التاريخ الإسلامي، بل تحوّلت عبر القرون إلى مفهوم ثقافي وسياسي يمكن وصفه بـ“العقل الشيعي الكوفي”. هذا العقل ليس مدرسة فقهية بالمعنى الضيق، بل بنية ذهنية تشكّلت من تفاعل الذاكرة الدينية مع التجربة السياسية، ومن تراكم الشعور بالمظلومية مع الرغبة في استعادة العدالة. ومن هنا أصبحت الكوفة حاضرة في الوجدان الشيعي بوصفها مختبراً تاريخياً للسلطة والخذلان معاً.

تبدأ ملامح هذا العقل مع تجربة حكم علي بن أبي طالب حين اتخذ الكوفة عاصمة لخلافته. في تلك اللحظة تأسس نموذج سياسي أخلاقي يقوم على فكرة العدالة والمساواة في الحكم، وهو النموذج الذي ظلّ لاحقاً معياراً تقاس عليه شرعية السلطة في المخيال الشيعي. فالكوفة لم تكن فقط مقرّ الحكم، بل فضاءً لصراع بين قيم العدالة التي حاول الإمام ترسيخها وبين الواقع الاجتماعي والسياسي المعقّد الذي واجهه.

غير أن هذا النموذج المثالي سرعان ما اصطدم بصدمة تاريخية عميقة عندما انتهت دعوة أهل الكوفة إلى الحسين بن علي بمأساة معركة كربلاء في كربلاء. ومنذ تلك اللحظة تشكّل في الوعي الشيعي ما يمكن تسميته بـ“عقدة الكوفة”، وهي شعور مزدوج يجمع بين الذنب التاريخي والبحث المستمر عن التكفير الرمزي. لذلك لم يكن غريباً أن تنطلق من الكوفة حركات الانتقام الرمزي والثأر للحسين، مثل ثورة المختار الثقفي، التي أعادت صياغة مفهوم العدالة بوصفه فعلاً تاريخياً لا مجرد ذكرى دينية.

هذا الإرث المركّب — العدالة العلوية، والخذلان الحسيني، والثأر المختاري — شكّل ما يمكن وصفه بالبنية النفسية للعقل الشيعي الكوفي. وهي بنية تقوم على ثلاث ركائز: الذاكرة، والمظلومية، والانتظار. فالذاكرة تستحضر المثال الأخلاقي للسلطة، والمظلومية تمنح الشرعية الأخلاقية للاحتجاج، أما الانتظار فيفتح أفق الخلاص عبر فكرة الظهور المرتبطة بـ محمد بن الحسن المهدي.

في السياسة العراقية الحديثة، يمكن ملاحظة آثار هذا العقل بوضوح. فبعد عام 2003 عاد الفضاء الشيعي العراقي إلى استحضار رموز الكوفة بوصفها جزءاً من شرعية السلطة الجديدة. لم يعد الأمر مجرد طقوس دينية، بل تحوّل إلى لغة سياسية تستدعي مفاهيم مثل العدالة العلوية، ومظلومية التاريخ، واستعادة الحق. وهكذا أصبح الخطاب السياسي في كثير من الأحيان امتداداً لرمزية كربلاء والكوفة معاً.

غير أن المفارقة تكمن في أن العقل الكوفي الذي وُلد من تجربة الخذلان التاريخي ما زال يواجه تحدياً مماثلاً في العصر الحديث: كيف يمكن تحويل الذاكرة الدينية إلى مشروع دولة؟ فبين المثال الأخلاقي الذي جسّده علي بن أبي طالب والواقع السياسي المعقّد في العراق المعاصر، ما تزال المسافة واسعة. ولذلك يبدو أن الكوفة لم تغادر السياسة العراقية؛ بل تحوّلت إلى استعارة كبرى لفكرة السلطة العادلة التي لم تكتمل بعد.

إن فهم السياسة الشيعية في العراق لا يكتمل من دون قراءة هذا الإرث الرمزي. فالكوفة ليست مجرد مدينة في الجنوب العراقي، بل عقل تاريخي ما زال يوجّه جزءاً من السلوك السياسي الشيعي، حيث تمتزج ذاكرة الألم مع طموح العدالة، ويظل الماضي حاضراً بوصفه مرجعاً لتفسير الحاضر وصياغة المستقبل

NomE-mailMessage