JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Accueil

خيطٌ رفيع بين الظلم والعدل...


 يكشفها بقلمه..

الكاتب والناقد السياسي حسن درباش العامري 

يبدو أن التطورات التي شهدها الواقع الحياتي في العراق قد دفعتنا إلى الاقتراب كثيراً من ذلك الخيط الرفيع الفاصل بين العدل والظلم؛ بل إن المفهومين، في بعض مفاصل حياتنا، أصبحا متداخلين إلى درجة يصعب معها على المواطن البسيط أن يميز أين ينتهي أحدهما وأين يبدأ الآخر.

فبعد عقود من الاستبداد والدكتاتورية، كان العراقيون ينتظرون لحظة تاريخية مختلفة؛ لحظة ينتقل فيها البلد من حكم الفرد إلى دولة المؤسسات، ومن الخوف إلى الحرية، ومن الامتيازات الخاصة إلى المواطنة المتساوية، ومن احتكار الثروة والقرار إلى عدالة توزيع الموارد والفرص.

كان من الطبيعي أن يتطلع العراقي، بعد سقوط الاستبداد، إلى دولة تقول له ببساطة: أنت مواطن، وهذه ثروة بلدك، وهذه حقوقك، ولا أحد فوق القانون.

لكن الذي حدث، في كثير من مفاصل الدولة والمجتمع، لم يكن انتقالاً واضحاً من الظلم إلى العدالة، بقدر ما كان انتقالاً من احتكار السلطة إلى تقاسمها بين قوى وأحزاب وشخصيات ومجموعات نفوذ. ومع مرور السنوات، أصبح المال العام والوظيفة والأرض والعقد الحكومي والامتياز وحتى بعض الخدمات، أدوات تدخل في شبكة واسعة من العلاقات السياسية والحزبية والاجتماعية.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فحين يستأثر شخص بمنافع هائلة تحت عنوان قانوني أو سياسي، ثم تتسع دائرة المستفيدين من حوله، فيحصل أتباعه ومقربوه على امتيازات مشابهة، وربما أكبر، فإن الأمر لا يعود مجرد امتياز لشخص واحد؛ بل يتحول إلى نظام اجتماعي جديد تتوزع فيه الثروة والنفوذ بحسب القرب من صاحب السلطة، لا بحسب الاستحقاق والكفاءة والمواطنة.وهذا ما اثبتته الحمله التي يقودها رئيس الوزراء العراقي السيد علي الزيدي حين كشفت عن فساد واموال قارون بيد نائبه تدعي النزاهة او نائب صدع رؤسنا بالشرف والعفه والحقوق او من خلال مسؤول يكرم بوسام الشرف ليتضح انه الابعد عنه او مسؤول يقرب المقربين منه ليصيروا بين ليلة وضحاها من اصحام الملايين او المليارات من أموال الشعب المسروقه ..

ولعل المواطن العراقي لا يحتاج إلى كثير من الأدلة كي يكتشف الفارق بين حياته وحياة بعض المسؤولين وأتباعهم. يكفي أن ينظر إلى مظاهر الثراء المفاجئ، والسيارات، والعقارات، والقصور، والسفر، وأنماط الحياة التي ظهرت على بعض الأشخاص خلال سنوات قليلة، ليتساءل: من أين جاءت كل هذه الأموال؟

ولا يعني ذلك أن كل مسؤول ثري فاسد، أو أن كل من يعمل في الدولة مستفيد بطريقة غير مشروعة، لكن السؤال المشروع الذي ينبغي أن يُطرح في دولة القانون هو: هل تتناسب هذه الثروات مع الدخول المشروعة لأصحابها؟ وهل خضعت للمساءلة والتدقيق؟

إن العدالة ليست أن تمنح الجميع الشيء نفسه، وإنما أن تمنح الجميع الفرصة نفسها.

أن يدخل ابن الفقير إلى الوظيفة مثل ابن المسؤول.

وأن يحصل الخريج الكفوء على فرصة العمل لأنه كفوء، لا لأنه يحمل توصية من حزب أو شخصية نافذة.

وأن تكون الأرض ملكاً للدولة والمواطنين جميعاً، لا خزينة مفتوحة أمام جماعة سياسية أو شبكة من المنتفعين.

لكن عندما تصبح الوظيفة سلعة، ويصبح التعيين طريقاً يمر عبر المال أو الواسطة، فإن الفقير لا يخسر وظيفة فقط؛ بل يخسر إيمانه بالدولة.

وعندما يرى شاب أنه قضى سنوات في الدراسة ثم عجز عن الحصول على وظيفة، بينما حصل آخر على الوظيفة لأنه أقرب إلى جهة سياسية أو استطاع دفع المال، فإن الرسالة التي تصله ليست مجرد رسالة اقتصادية، وإنما رسالة خطيرة تقول له: الكفاءة وحدها لا تكفي، والمواطنة وحدها لا تكفي، والعدالة ليست قاعدة عامة.

والأمر لا يتوقف عند الوظائف.

فقد أصبحت الأراضي والمساحات والفضاءات العامة في بعض المناطق موضعاً لصراع شديد بين الحق العام والمصالح الخاصة؛ فتتحول المساحة الخضراء إلى مشروع، والأرض العامة إلى استثمار، والفضاء المتروك إلى فرصة، ثم تبدأ رحلة طويلة من العناوين القانونية والإدارية التي قد تنتهي في بعض الحالات إلى تمليك أو استحواذ أو إنشاء مساكن ومشاريع عليها، ثم بيعها وتحقيق أرباح طائلة.

وهنا ينبغي أن نتوقف عند سؤال بسيط لكنه جوهري:

من يملك ما لا يملكه؟

إذا كانت الأرض ملكاً عاماً، فمن حق أي مسؤول أن يديرها وفق القانون، ولكن ليس من حقه أن يتعامل معها وكأنها ملك شخصي أو حزبي. وإذا كانت هناك استثمارات حقيقية تخدم الناس، فليكن ذلك عبر منافسة شفافة وعقود معلنة وضوابط واضحة، لا عبر توزيع الأراضي والمنافع على المقربين.

والأخطر من كل ذلك أن يتحول المال العام نفسه إلى منطقة رمادية يجري فيها اختراع التبريرات والمصطلحات لتسهيل الاستحواذ عليه؛ فتظهر تعبيرات مثل «مجهول المالك» أو «الاستحواذ» لتصبح، في بعض التطبيقات، مدخلاً لتبرير وضع اليد على أموال أو عقارات يفترض أنها محمية لمصلحة الدولة والمجتمع.

وهنا يصبح الخطر أكبر من مجرد سرقة المال.

لأن سرقة المال العام جريمة، أما تحويل السرقة إلى ممارسة مقبولة أو مبررة أو ذات غطاء ديني أو قانوني أو سياسي، فهو أخطر بكثير؛ لأنه يقتل فكرة القانون نفسها.

الدين لا يمكن أن يكون غطاءً للفساد، والقانون لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتجميل التجاوز، والسياسة لا يمكن أن تكون رخصة للاستحواذ على ما هو ملك للمجتمع.

إن العراق لا يعاني فقط من مشكلة أموال تُهدر أو تُسرق، وإنما يعاني من مشكلة أعمق: اختلال مفهوم العدالة في الوعي العام.

فحين يرى المواطن أن بعض الناس يحصلون على كل شيء، بينما يقضي آخرون أعمارهم بحثاً عن وظيفة أو سكن أو علاج أو فرصة تعليم، يبدأ الإحساس بالظلم بالتحول إلى قناعة.

وعندما تتحول هذه القناعة إلى حالة عامة، يصبح المجتمع أمام خطر أكبر من الفساد المالي نفسه؛ خطر فقدان الثقة بالدولة.

والدولة التي يفقد المواطن ثقته بعدالتها لا تستطيع أن تطلب منه الكثير.

لا تستطيع أن تطلب منه احترام القانون إذا كان يعتقد أن القانون يطبق على الضعيف ولا يصل إلى القوي.

ولا تستطيع أن تطلب منه المحافظة على المال العام إذا كان يرى المال العام يتحول إلى امتيازات خاصة.

ولا تستطيع أن تطلب منه الإيمان بالمؤسسات إذا كان يعتقد أن المؤسسات تُدار بمنطق النفوذ والمحاصصة والمصالح.

لقد خرج العراقيون من زمن كان فيه الظلم واضحاً وله عنوان واحد، وكانوا يأملون أن يدخلوا زمناً يصبح فيه العدل قاعدة لا استثناء.

لكن الخطر اليوم أن يتحول الظلم إلى شبكة مصالح معقدة ترتدي أحياناً ثياب القانون، وأحياناً ثياب السياسة، وأحياناً ثياب الاستثمار، وأحياناً ثياب الدين.

وهنا يصبح الخيط بين الظلم والعدل رفيعاً جداً.

فالعدل ليس أن يستبدل مستبد بآخر، ولا أن تنتقل الامتيازات من يد إلى أخرى، ولا أن يصبح شعار «المظلومية» طريقاً إلى صناعة مظلومين جدد.

العدل الحقيقي هو أن يصبح القانون أقوى من المسؤول، وأن تصبح الدولة أقوى من الحزب، وأن تصبح حقوق المواطن أقوى من الواسطة، وأن يكون المال العام أمانة لا غنيمة.

وإلا فإننا لن نكون قد انتقلنا من الظلم إلى العدل، وإنما سنكون قد انتقلنا فقط من ظلمٍ معروف الاسم إلى ظلمٍ مجهول العنوان.

وهذه هي المأساة التي ينبغي أن نخشى منها أكثر من أي شيء آخر.

NomE-mailMessage