د. أمال بو حرب
ناقدة تونسية-الإمارات العربية المتحدة
حين نتأمّل قصيدة “لم أعد أفهمني” للشاعرة السورية المغتربة فيروز المخول في ضوء فكرة اختلاط المفاهيم في الشعر العربي الحديث ندرك سريعاً أنّ الشاعر يتعامل مع الكلمات الكبرى ككائنات حيّة مضطربة تتحرّك مع اضطراب تجربته. العدالة الحب الغيب الجسد مفاهيم تُستدعى وهي تدخل في صدام مباشر مع ما عاشه الشاعر من ظلم وشيخوخة وخذلان. بهذا تتحوّل القصيدة إلى مختبر صغير نرى فيه كيف تخرج المفاهيم من النصوص الدينية والأخلاقية إلى أرض الحياة وكيف تتشظّى حين تُختبَر على جسد إنسان يكتب من موقع الخسارة لا من موقع الانتصار.
الحركة من “القاموس” إلى “الجرح” نجدها بدرجات مختلفة عند شعراء عرب آخرين. مثلاً عند محمود درويش حين يضع مفردات مثل “الوطن” و”الحرية” في مواجهة تجربة المنفى والمرض فتتلوّن هذه المفاهيم بنبرة غير تلك التي تحملها الشعارات السياسية أو عند أدونيس حين يخلخل معنى “التراث” و”الحداثة” في قصائده فلا يعود أيّ منهما بريئاً. قصيدة فيروز مخّول تشتغل في الحقل ذاته لكن عبر مفردات أكثر حميمية هي العدل والحب والزمن والغيب والجسد.
القصيدة التي بين أيدينا تنطق بوجع هادئ لكنه عميق وجع إنسان بلغ عتبة من العمر والتجربة جعلته يقف أمام نفسه كما يقف الغريب أمام غريب فيهمس “لم أعد أفهمني”هي المفتاح لأفكار خلف أبواب موصدة من خلالها يدخل الشاعر إلى عالم تختلط فيه المقاييس. عدل لا يُفهَم وإن كان حاضراً وحب يتحوّل من وعد بالعزاء إلى عبء على القلب وجسد يأكله الزمن ببطء وطيور كانت ذات يوم رسل الوجد ثم تنأى واحدة بعد أخرى.
بين بيت وآخر نحن نصعد دروباً داخلية متعبة لذات تحاول أن تفاوض دهرها وأن تفهم لماذا يغدو اللاأذى سبباً للأذى ولماذا ينقلب العطاء سبباً للخذلان ولماذا يصبح الغيب أكثر غموضاً كلّما ازداد الإنسان معرفة بأمسه وحاضره. هكذا تنسج القصيدة نصاً أدبياً يتكئ على لغة شفافة وصور مألوفة لكنها تحمل في عمقها سؤالاً ثقيلاً. كيف يعيش من لم يعد يفهم نفسه في عالم لم يعد يفهم عدله كما تقول الشاعرة في مطلعها “في هذه الأرض عدل لست أفهمه / من لم يكن ظالماً فالدهر يظلمه”؟
تضعنا القصيدة أمام مفارقة أخلاقية قريبة من “الحكمة السوداء” في التراث الشعبي مؤطّرة داخل حس وجودي واضح. فالعدل حاضر في العبارة مقرون فوراً بظلم غير الظالم وكأن النظام الأخلاقي للعالم قد انقلب. الفضيلة طريق إلى الأذى والبراءة سبب للعقاب تصور يلتقي في الجوهر مع إحساس العبث عند كامو حيث يبحث العقل عن معنى في عالم لا يقدّم تناسباً عادياً بين الأفعال ونتائجها مصاغاً بلغة قريبة من المثل العربي جملة يمكن أن تُقال على سبيل “التجربة المرّة” أكثر من كونها أطروحة فلسفية واعية بذاتها.
من جهة أخرى يمكن أن نلمح توتراً مع موقف نيتشه من الأخلاق. نيتشه يكشف عن “أخلاق الضعفاء” التي تمجّد الألم وتخفي إرادة القوّة لكن الشاعرة هنا تكشف أن القيم الموروثة مثل ألا تكون ظالماً وأن تحب بتضحية لا تجد في العالم المحيط بها نظاماً يضمن لها العدالة وتتحوّل إلى نقاط هشاشة يُضغط منها عليه. فمفهوم العدل في هذا النص يتردّد بين أن يكون قولاً موروثاً وبين أن يكون محلاً للشك ولا يُحسَم الأمر لصالح أيّهما كما في قولها "من لم يكن ظالماً فالدهر يظلمه” وكأن الظلم نفسه يتأرجح في ميزان المفاهيم المؤجلة
نعمة الحب حين تُختبَر تتحوّل إلى عبء
الحب في القصيدة يتحرّك على أكثر من مستوى وخيطه الأساس انتقاله من نعمة موروثة إلى حالة منهكة وهذا بحد ذاته اختلاط مفاهيمي واضح ،في الغزل القديم الكتمان علامة رقّة وحياء مع شاعرتنا الرقيقة يصبح مصدراً للإرهاق فالقلب يحاول أن يمارس ما يمليه عليه مفهوم “العشق الشريف” وهو حب مخفى لكن العين أي الجسد والظاهر ترفض هذه الاستراتيجية فتفضح ما يُراد كتمانه هذا الانقسام بين رغبة القلب وسلوك العين يذكّر من بعيد بما تلتقطه التحليلات النفسية من انقسام الذات بين رغبتها الواعية ودوافعها اللاواعية. الحب يصبح شبكة توتّرات داخلية كما تقول “خبّأت في القلب حباً بات يتعبني / والعين تفضحني إن جئت أكتمه”.
لانه يدخل إلى منطقة رمزية الذات عاجزة عن الكلام المباشر فتستعين بالطبيعة بالطيور كوسطاء. هذه الصورة تقارب من حيث الوظيفة استعانة بعض الشعراء الصوفيين بالرموز لتجنّب التصريح لكنها عند فيروز مخّول تحافظ على طابع إنساني بسيط. إنسان يخجل أو يعجز فيرسل رسلاً غير بشرية لتقول ما لا يستطيع قوله بنفسه كما في قولها “كلّمت كل العصافير التي عشقت / لعل عصفورة عني تكلّمه”. بهذا المعنى يمتحن النص مفهوم الحب من زاوية القدرة على الكلام حب يختلط بالتعب والعجز عن البوح.
أما مبدأ العطاء في جوهره يظل تضحية مطلقة كما تقول “أعطيه أكمله إن شاء يقسمه” استعداد لتقديم القلب كله بلا تحفظ يذكّرنا بنبرة كثير من شعراء العصر العباسي أو الأندلسي حين يعلنون أن المحبوب مالك لكل شيء فيهم لكنه هنا يُقال تحت سقف عالم نعرف أنه يظلم غير الظالم فيغدو الحب نفسه “استثماراً أخلاقياً” في سوق لا يعترف بهذه القيم. من هنا يتولّد شعور خاص بالظلم ظلم تجربة حب نبيلة في عالم لا يرد على هذه النبل بما يليق به.
الجسد من هوية متخيّلة إلى هوية متعبة
صورة الجسد والسن تكشف طبقة أخرى من اختلاط المفاهيم. “الصبابة” في التراث هي أقصى الحب وهنا تقترن بفراغ من المحبوب. الشاعر “صب” لكن لا أحد في الخاطر. الحب الذي هو علاقة ينقلب إلى حالة بلا موضوع فهو توتر داخلي واستعداد دائم للانفعال لا يجد له من يتجه إليه وهو وضع يناسب كثيراً ما نشعر به في أزمنة الوحدة والشيخوخة حيث تبقى الطاقة العاطفية وتتقلّص فرص الارتباط الفعلي كما تقول “أصبحت صباً وما في خاطري أحد / ماذا سيفعل جسم مات معظمه” والجسد الذي “مات معظمه” يختلط فيه معنى الجسد كحامل للحياة والمتعة مع معنى الجسد كمكان للألم والإنهاك هذه الصورة تذكّر ببعض نصوص درويش المتأخرة حين يتحدّث عن جسده الذي لم يعد كما كان وعن “أنا” لا تشبه أناها الأولى لكنها هنا تأتي عبر صيغة أقرب إلى البساطة اليومية لا عبر تركيبات مجازية ماذا يبقى من الحب ومن العدل ومن الكتابة في جسد استنزف الزمن معظم قوته؟
وبقولها عندما جاوزت من زمني خمسين مرحلة / ما عاد يفهمني من كنت أرسمه” فإنها بهذه الرؤية تتقاطع مع مقولات الفلسفة الحديثة من هيدغر إلى ريكور حول الهوية المتحوّلة عبر الزمن. الذات لا تبقى كما هي بل تتبدّل وقد تصل إلى نقطة لا تنسجم فيها مع تمثّلاتها القديمة. القصيدة تلتقط هذا الشعور بلغة بسيطة. من كنت أرسمه لم يعد يفهمني وكأن الماضي نفسه أصبح غريباً عن الحاضر.
الغيب والمعرفة : وعي موجع بحدود العقل الشخصي
يضع المعرفة والغيب في علاقة تداخل لا في علاقة تعارض بسيطة. الشاعر يقرّ بمعرفة ما عن أمس الذات وحاضرها لكن هذه المعرفة تفتح أمامه طبقة أخرى من اللايقين. “في الغيب غيباً”. المستقبل لا يُختزل في كلمة الغيب كحقل واحد بل يحتوي داخله غيباً مضاعفاً كأن كل أفق جديد يحمل في ذاته أفقاً لا يُرى كما تقول “وأعلم الآن عن أمسي وحاضره / لكن في الغيب غيباً لست أعلمه”.
الرموز حين تتحوّل إلى علامتين على فقدان الوسيط
الوعي بحد المعرفة يذكّرنا بموقف كانط من حدود العقل. ثمة “شيء في ذاته” لا يدركه الإنسان. القصيدة تظل في منطقة الشعور اليومي. أعرف من الماضي والحاضر ما يكفي لأدرك مأزقي لكني أجهل ما سيصنعه عدل لا أفهمه ودهر يظلم من لا يظلم. هذا المزيج بين العلم والجهل يولّد حالة نفسية خاصة. توتر إنسان يدرك أنه لن يمتلك أبداً خريطة كاملة لمصيره.
في البداية كانت العصافير وسائط حب كما تقول “كلّمت كل العصافير التي عشقت / لعل عصفورة عني تكلّمه”. وفي النهاية تغدو الطيور كلّها بعيدة “كل الطيور تناءت كيف أرجعها / لم يبق في جسدي لحن أقدّمه” تتخذ الرموز دوراً حاسماً في سيرة المفاهيم القلقة فالطيور التي كانت تمثّل خيالاً وحرية ووساطة تنأى ولا تعود متاحة كقناة للتعبير هذا الانسحاب الرمزي يعني أن الوسائط التي كانت تساعد الذات على القول والتواصل باتت خارج المتناول. يشبه هذا في مستوى ما ما يحدث في نصوص أدونيس عندما يعلن انسحاب بعض الرموز الكبرى لكنها عند فيروز مخّول تلبس ثوباً بسيطاً. الطيور ابتعدت وأنا لا أعرف كيف أرجعها أما اللحن فهو المفهوم الأكثر كثافة في ختام القصيدة. “لم يبق في جسدي لحن أقدّمه” و إن كان اللحن من المفاهيم الجمالية فإن الجسد والعدل والعطاء من المفاهيم الوجودية التلاقي بامتياز . فنضوب اللحن يعني نضوب القدرة على تحويل هذه المفاهيم إلى شعر لأن الجسد الذي كان حاملاً للصوت لم يعد يحمل ما يُقال. إنها لحظة صمت وجودي تشبه على مستوى آخر لحظة سيوران حين يعلن عجز اللغة عن حمل عبث الوجود. الفرق أن النص هنا يظل في لغة مألوفة ولا يذهب إلى التطرّف السيوراني لكنه يلامسه في شعور “استنفاد القول”.
خاتمة :من “اختلاط المفاهيم” إلى “لم أعد أفهمني يبدو أن القصيدة تقدّم مثالاً مكثّفاً على ما سميناه في المقدمة “سيرة المفاهيم القلقة” في الشعر العربي تتحرّك وتختلط وتتناقض لأن الشاعر يكتب من موقع ذات مجروحة لا من موقع ذات مؤمنة بوضوح العالم. هذه الحركة في جوهرها محاولة شعرية لالتقاط تعقّد الوجود كما يعيشه إنسان عربي معاصر يصل إلى عتبة الخمسين وهو لا يجد في مخزون الثقافة الجاهز ما يفسّر له كيف يُظلَم غير الظالم ولماذا يتحوّل الحب إلى عبء ولماذا يصبح الغيب مضاعفاً ولماذا تصير الطيور بعيدة واللحن منطفئاً.
ولكن يبقى الامل في ذاك الغيب الذي لم تقله الشاعر ة"لكنَّ في الغيبِ غيبًا لستُ أعلمٌهُ"
لعل فيلا جديدا ياتي من الشعر لتكون القصيدة بابا مفتوحاً أمام هذا الاختلاط ولا تحاول الشاعرة حسمه لتقول لنا في النهاية إن الشعر ربما يكون المكان الأخير الذي يمكن فيه للمفاهيم أن تعترف بقلقها دون أن تُجبَر على العودة إلى أقفاص تعريفاتها القديمة
لمْ أعُدْ أفهَمُني
في هذهِ الأرضِ عَدْلّ لستُ أفهمُهُ
منْ لمْ يكنْ ظالماً فالدّهرُ يظلِمُهُ
خبَّأتُ في القلبِ حبًّا باتَ يُتعِبُني
والعينُ تفضَحُني إنْ جِئتُ أكتمُهُ
كلَّمْتُ كلَّ العصافيرِ التي عشقتْ
لعلَّ عصفورةً عنِّي تُكلِّمُهُ
باللهِ يا قلبُ قلْ لي كيفَ أهجرُ منْ
لو شاءَ قلبي طعاماً كنتٌ أطعمُهُ
أو شاءَ في القلب يوماً أنْ يقاسمني
أعطيهِ أكملَهُ إنْ شاءَ يقسمُهُ
أصبحتُ صبًّا وما في خاطري أحدٌ
ماذا سيفعلُ جسمٌ ماتَ معظمُهُ
جاوزتُ من زمني خمسينَ مرحلةً
ما عادَ يفهمني من كنتُ أرسمُهُ
وأعلمُ الآنَ عن أمسي وحاضرِهِ
لكنَّ في الغيبِ غيبًا لستُ أعلمٌهُ
كلُّ الطُّيورِ تناءتْ كيفَ أرجعُها
لم يبقَ في جسدي لحنٌ أقدِّمُهُ
في هذهِ الأرضِ عَدْلٌ لستُ أفهمُهُ
منْ لمْ يكنْ ظالمًا فالدَّهرُ يظلِمُه
فيروز المخول
