د.محمود الهاشمي
عضو الهيئة الادارية للرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين (ممثلية العراق)
28-9-2026
بعد فشل الهجمات العسكرية الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، سواء في إسقاط النظام أو تدمير مفاعلاتها النووية، انتقلت الولايات المتحدة إلى ما يبدو أنه «الخيار الأخير»، وهو تأليب الدول التي تضررت من الحرب ضد إيران، ومحاولة استخدامها كورقة ضغط أخيرة على طهران وعلى محاور المقاومة الأخرى.
وتتوزع الدول المتضررة من الحرب في المنطقة بين دول تضررت عسكرياً واقتصادياً، مثل دول الخليج والأردن، وأخرى تضررت اقتصادياً بصورة أكبر، مثل مصر وتركيا.
وتزامنت ورقة «التأليب» مع حملة جديدة من العقوبات الاقتصادية على إيران، أطلقت عليها واشنطن مسميات مثل «المنبوذ الاقتصادي» أو «الإقصاء الاقتصادي»، وصولاً إلى حظر الطيران الإيراني ومحاولة محاصرة مضيق هرمز.
كان أول الإجراءات الأميركية التراجع عن العمل بمذكرة التفاهم التي وقعتها مع إيران، والانتقال مجدداً إلى سياسة الحصار العسكري والاقتصادي، مع الاستفادة من الدول التي تضررت من الحرب للضغط على طهران.
وعلى الرغم من إدراك حكام الدول المتضررة أن الولايات المتحدة لم تعد وفية بالتزاماتها تجاههم، وأنها خذلتهم عندما اندلعت الحرب واستُهدفت مواقع عسكرية في المنطقة، فضلاً عن عجزها عن فتح مضيق هرمز أمام تجارتهم، فإنهم عادوا إلى «الخيار الأميركي».
ويعود ذلك، في جانب منه، إلى عجز هذه الدول عن إيجاد منظومة حماية ذاتية لبلدانها، وإلى مخاوفها من أن إيران، بعد إخراج الولايات المتحدة من المنطقة، قد تسعى إلى تغيير المعادلات السياسية والأنظمة القائمة فيها.
اجتماع المنامة… إعادة تثبيت الحضور الأميركي
في 25 يونيو/حزيران 2026، حضر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اجتماعاً وزارياً مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في العاصمة البحرينية المنامة، برئاسة مشتركة بينه وبين وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني.
وكان الملف الإيراني من أبرز الملفات التي نوقشت في الاجتماع، إلى جانب تداعيات مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران.
وفي تلك المرحلة، بدا أن دول الخليج باتت أكثر قلقاً من احتمال مغادرة الولايات المتحدة للمنطقة وتركها من دون المظلة الأمنية الأميركية.
وأكد روبيو لوزراء الخارجية أن أي اتفاق مع طهران يجب ألا يقوض أمن أو استقرار الشركاء في المنطقة.
أما البيان الختامي للاجتماع فأكد قوة التعاون الخليجي ـ الأميركي، وأظهر حجم تمسك دول مجلس التعاون بالشراكة الأمنية مع واشنطن وبقاء القوات الأميركية في المنطقة.
واستفادت الولايات المتحدة من حالة القلق الخليجي لإعادة تثبيت حضورها، وتحويل هذا القلق إلى أدوات سياسية واقتصادية وأمنية، بالتزامن مع تراجعها عن مذكرة التفاهم مع إيران.
كان من ضمن التطمينات الأميركية لدول الخليج أنها ستوفر لسفنها التجارية طريقاً آمناً عبر مضيق هرمز.
وحاولت الولايات المتحدة الاستفادة من الجزء الآخر من المضيق المحاذي للأراضي العمانية، وبدأت بإرسال سفن حربية بحجة حماية الملاحة التجارية.
لكن هذا التحرك لم يمنع إيران من توجيه ضربات داخل الأراضي العمانية، في إطار تحذير من هذا المخطط.
وهنا تحول مضيق هرمز من مجرد ممر مائي إلى واحدة من أهم أوراق الضغط المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة ودول المنطقة.
توسيع «ورقة التأليب»
وسعت الولايات المتحدة من استخدام ورقة «التأليب» تجاه الدول المتضررة من الحرب، ودعتها إلى المساعدة عبر الإعلام والضغط الاقتصادي والسياسي.
وكانت الإمارات من أوائل الدول التي تفاعلت مع هذا المسار، الأمر الذي جعلها عرضة للاستهداف الإيراني، وهو ما أدى، ، إلى إرباك المشهد الاقتصادي والأمني فيها.
وفي الوقت نفسه، تعاونت دول الخليج مع الحكومات في الدول التي توجد على أراضيها محاور المقاومة، مثل لبنان والعراق واليمن، حيث أصبح «نزع سلاح المقاومة» هدفاً رئيسياً لهذه الحكومات، بهدف تجريد تلك القوى من مصادر قوتها في مواجهة إسرائيل ودول الخليج.
واستفادت إسرائيل من الضغوط التي مارستها حكومات لبنان والعراق واليمن على محاور المقاومة، ومن انشغال إيران بتداعيات أزمة مضيق هرمز.
فزادت من هجماتها على معسكرات حزب الله في جنوب لبنان وعلى مواقع مدنية، بالتزامن مع تصعيد الهجمات على قطاع غزة وسياسة التجويع، فضلاً عن التهجير ومصادرة الممتلكات في الضفة الغربية.
كما صعّدت الحكومة السعودية من ضغوطها على أنصار الله في صنعاء، ودعمت وحركت القوى المتحالفة معها في عدن.
وبذلك أصبح المشهد الإقليمي، بصورة مختصرة، يدور حول:
ضغوط وحصار على إيران، بالتوازي مع ضغوط على محاور المقاومة.
النتائج
يمكن تلخيص نتائج هذا المسار في مجموعة من التطورات:
1 ـ مضيق هرمز يتحول إلى ورقة ضغط
منعت إيران حركة مرور السفن التجارية في المضيق إلا وفق آليات التنسيق معها، وحولت المضيق إلى ورقة ضغط على دول المنطقة، بحيث أصبح التعامل معه مرتبطاً بمواقف هذه الدول من إيران.
2 ـ استهداف القوات والسفن الأميركية
تعرضت السفن الحربية الأميركية لهجمات أدت، وفق المعطيات الواردة في هذا الطرح، إلى مقتل وإصابة عدد من الجنود، والاستيلاء على سفينة وغواصة.
كما جرى استخدام طائرات خاصة لزرع الألغام في المضيق وفق خرائط محددة، بدلاً من عمليات الزرع المباشر.
3 ـ إطالة أمد الوجود العسكري الأميركي
أدى استمرار التوتر في المضيق إلى إبقاء القوات والسفن الأميركية لفترات طويلة في المنطقة، وسط ضغوط وظروف صعبة على الجنود الموجودين على متن البوارج،ودفع بالعديد منهم الى محاولات الانتحار والى اضطرار القيادات العسكرية الاميركية الى سحب بعض البوارج او استبدالها ..
4 ـ العراق ونزع سلاح المقاومة
لم تستطع الحكومة العراقية تنفيذ أجندتها المتعلقة بسحب سلاح المقاومة، بل بدأت القوات الأميركية بالانسحاب.
5 ـ لبنان واستمرار المواجهة
لم تتمكن الحكومة اللبنانية من سحب سلاح حزب الله، فيما بقيت المواجهة بين حزب الله والكيان الصهيوني مستمرة.
6 ـ اليمن وباب المندب
أدرك أنصار الله أن هناك دعماً سعودياً متزايداً للقوات الحكومية في عدن واستعداداً للتحرك ضدهم، فبادروا إلى مهاجمة مراكز عسكرية ومصالح اقتصادية سعودية، بالتزامن مع مهاجمة قوات عدن والسيطرة على مضيق باب المندب.
7 ـ العقوبات وتأثيرها الإقليمي
لم تؤثر العقوبات الاقتصادية الأميركية الأخيرة على إيران،، بالقدر الذي تأثرت به دول المنطقة من تداعيات إغلاق أو خنق المضائق وصعوبة التصدير وحركة التجارة.
8 ـ التطبيع السعودي
لم تنجح الولايات المتحدة في دفع السعودية إلى التطبيع مع إسرائيل، خصوصاً في ظل عدم استجابة واشنطن، لمطالب الرياض المتعلقة بالحرب على أنصار الله.
بل اتجهت السعودية، بدلاً من ذلك، إلى التفاوض مع الحوثيين لضمان مصالحها.
9 ـ الحظر الجوي
انتقلت الولايات المتحدة أخيراً إلى فرض الحظر على حركة الطيران الإيراني.
ومن شأن هذا الحظر، وفق هذا الطرح، أن يحرم ملايين العراقيين وغير العراقيين من السياحة الدينية والتبضع والتجارة مع إيران، الأمر الذي قد يدفع المتضررين إلى الضغط على حكوماتهم لعدم الاستجابة للحظر.
10 ـ الاتفاقيات الأمنية السعودية
حاولت السعودية الاستفادة من الاتفاقيات الأمنية مع تركيا وباكستان، إلا أن الردود جاءت بطيئة وأقرب إلى الإعلان منها إلى التطبيق، في ظل إدراك هذه الدول أن إيران تمتلك أوراقاً يمكن استخدامها ضدها.
هل تضعف «ورقة التأليب»؟
يبدو أن استخدام الولايات المتحدة لورقة «التأليب» ضد إيران، عبر الدول التي تضررت من الحرب، بدأ يواجه حدوداً وصعوبات.
فالدول المتضررة من الحرب وجدت نفسها أمام معادلة معقدة: فهي تحتاج إلى الحماية الأميركية، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن استمرار التصعيد العسكري مع إيران ينعكس مباشرة على أمنها واقتصادها وحركة تجارتها.
كما أن الضغط على محاور المقاومة لم يؤدِ إلى تحقيق الأهداف التي كانت واشنطن وحلفاؤها يسعون إليها في العراق ولبنان واليمن.
وهكذا تحولت أدوات الضغط، وخصوصاً المضائق والممرات البحرية، من أدوات ضغط على إيران إلى أوراق تستخدمها إيران في مواجهة خصومها.
المنطقة أمام مرحلة جديدة
إن استمرار هذه التطورات قد يعني أن المنطقة تتجه نحو تحول أكبر في طبيعة علاقاتها الأمنية والسياسية والاقتصادية.
وما حدث في السنوات الأخيرة يكشف،، أن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة بوصفها الحامية لأمن المنطقة لم يعد خياراً مستقراً بالنسبة إلى جميع دولها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في مشروع إقليمي مستقل للأمن والاقتصاد والسياسة، يقوم على التعاون بين دول المنطقة، بعيداً عن الهيمنة الخارجية، ويحمي ثرواتها ومصالحها ويمنع تحويلها إلى أوراق في صراعات القوى الكبرى.
فالمعادلة الجديدة لا تتعلق فقط بإيران والولايات المتحدة، وإنما بمستقبل المنطقة كلها: هل تبقى دولها معتمدة على المظلة الأميركية، أم تتجه تدريجياً إلى بناء منظومة أمنية واقتصادية وسياسية إقليمية مستقلة؟
