JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Home

نماذج ساهمت في تراجع الذوق العام في العراق بين صناعة الوعي وتحويل التفاهة إلى شهرة


 الشيخ محمود الحسناوي

الاثنين 7 أيلول 2026

شهد العراق خلال السنوات الأخيرة اتساعًا كبيرًا في حضور مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح بعض المدونين والمؤثرين يمتلكون قدرة واسعة على التأثير في الرأي العام وتشكيل اهتمامات شريحة كبيرة من المجتمع، ولا سيما فئة الشباب.


وبينما استطاع عدد من المؤثرين تقديم محتوى ثقافي وتوعوي وإنساني مهم، ظهرت في المقابل نماذج أخرى ساهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إضعاف الذوق العام وتحويل منصات التواصل إلى ساحة للمبالغة والاستعراض والبحث عن المشاهدات بأي وسيلة.


من المحتوى إلى الاستعراض


المشكلة لا تكمن في الشهرة بحد ذاتها، ولا في امتلاك عدد كبير من المتابعين، وإنما في طبيعة المحتوى الذي يُقدَّم للجمهور.


فقد أصبح بعض المحتوى قائمًا على إثارة الجدل، والمبالغة في التصرفات، واستعراض الممتلكات والحياة الشخصية، والمشاحنات، والمقالب، والخلافات المفتعلة، وغيرها من الأساليب التي تعتمد على جذب الانتباه أكثر من تقديم قيمة حقيقية.


وفي ظل خوارزميات المنصات الرقمية التي تكافئ التفاعل والمشاهدة، أصبح المحتوى الأكثر صخبًا قادرًا على الانتشار بصورة أسرع من المحتوى الهادئ والهادف.


وهنا تظهر معادلة خطيرة:


كلما زاد الصخب، زادت المشاهدات؛ وكلما زادت المشاهدات، ظن البعض أن الشهرة تعني النجاح والقدوة.


وهذا الاعتقاد يحتاج إلى مراجعة.


هل كل مشهور قدوة؟


الشهرة لا تعني بالضرورة الثقافة، وعدد المتابعين لا يمثل شهادة في الأخلاق أو المعرفة أو المسؤولية الاجتماعية.


قد يمتلك شخص ملايين المتابعين، لكنه لا يقدم للمجتمع سوى الترفيه السطحي أو الاستعراض، في حين قد يعمل طبيب أو أستاذ جامعي أو مهندس أو باحث أو عامل بصمت ويقدم خدمة حقيقية للمجتمع من دون أن يحظى بجزء بسيط من تلك الشهرة.


لذلك يجب أن نفرّق بين الشخصية المشهورة والشخصية المؤثرة إيجابيًا.


فالقدوة تُقاس بما تقدمه للناس من قيمة، وبالسلوك الذي تتركه خلفها، وليس بعدد الإعجابات والمشاهدات.


مسؤولية الجمهور


لا يمكن تحميل المؤثرين وحدهم مسؤولية انتشار المحتوى السطحي؛ فالجمهور شريك في صناعة هذه الظاهرة.


عندما يتحول المحتوى التافه إلى ملايين المشاهدات، فإن ذلك يمنح صاحبه حافزًا للاستمرار، ويشجع آخرين على تقليده.


وبعبارة أخرى، المشاهد لا يستهلك المحتوى فقط، بل يساهم في تحديد نوع المحتوى الذي سيستمر في الظهور.


ولهذا فإن إعادة التفكير بما نتابعه، وما نشاركه، وما نمنحه من تفاعل، يمكن أن تكون وسيلة مهمة لإعادة توجيه المشهد الرقمي.


التأثير على الشباب


تكمن الخطورة الأكبر عندما تصبح بعض الشخصيات غير الهادفة نماذج يُحتذى بها لدى الأطفال والمراهقين والشباب.


فعندما يرى الشاب أن الشهرة يمكن تحقيقها من خلال الاستعراض أو السلوك المثير للجدل، بينما يحتاج العلم والعمل والإبداع إلى سنوات من الجهد، فقد تتغير لديه معايير النجاح.


ومن هنا لا ينبغي أن تكون رسالتنا للشباب: لا تستخدموا مواقع التواصل، بل ينبغي أن تكون:


استخدموا هذه المنصات لصناعة شيء يستحق أن يُشاهد.


العراق يحتاج إلى نماذج مختلفة


العراق يمتلك طاقات كبيرة في مجالات العلم والثقافة والقانون والطب والهندسة والفن والرياضة والعمل المجتمعي.


المطلوب ليس محاربة الشهرة، وإنما إعادة تعريفها.


نحتاج إلى مؤثر يشرح، وباحث يبسّط المعرفة، وطبيب يرفع الوعي الصحي، وقانوني يعرّف الناس بحقوقهم، وأستاذ يحفز الشباب على التعلم، وفنان يرتقي بالذائقة، وشخصية اجتماعية تستخدم حضورها لخدمة الناس.


فالمنصة الرقمية يمكن أن تكون وسيلة لبناء الوعي، كما يمكن أن تتحول إلى وسيلة لتكريس السطحية.


الخلاصة


إن تراجع الذوق العام ليس مسؤولية فرد واحد أو فئة واحدة، بل هو نتيجة تفاعل بين صانع المحتوى والجمهور والمنصة الإعلامية والبيئة الاجتماعية.


لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالتشهير بالأشخاص أو مهاجمة كل من يعمل في مجال المحتوى الرقمي، وإنما بترسيخ ثقافة جديدة تقول إن الشهرة ليست قيمة بحد ذاتها، وإن المتابعين ليسوا معيارًا للقدوة، وإن الترند ليس بالضرورة شيئًا يستحق أن نتبعه.


العراق لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج.


العراق يحتاج إلى نماذج تصنع وعيًا، لا نماذج تصنع ضجيجًا.


ويحتاج إلى أشخاص يجعلون من شهرتهم وسيلة لخدمة المجتمع، لا وسيلة لتحويل التفاهة إلى ظاهرة.


فليس كل من صار مشهورًا يستحق أن يكون قدوة، وليس كل ما يحقق المشاهدات يستحق أن يسمى محتوى.


NameEmailMessage