بقلم الكاتب والناقد السياسي حسن درباش العامري
أن المواطن العراقي لا ينبغي أن يكون الحلقة الأضعف التي تتحمل وحدها نتائج إخفاق السياسات المالية المتعاقبة، في حين تبقى الامتيازات المالية للمسؤولين بعيدة عن المساءلة والتقشف. وقد لفت نظري حديث السيد رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي.حين قال لقد استلمت الخزينة و فيها عجز مالي كبير ، وهنا هل يتحمل المواطن العراقي اخفاقات وهدر المال العام العراقي ام كان يتوجب تقديم الحكومة السابقة بكل اركانها للمسائله والمحاكمه ؟؟؟
اذا من يدفع ثمن الفشل والهدر المالي في العراق؟
أعتقد أن الإدارة المالية للحكومات العراقية المتعاقبة كانت إدارة فاشلة، لم تستطع أن توفر الامن المالي والغذائي للمواطن العراقي ولم تنجح في توفير مستويات الأمان والاستقرار المعيشي والاقتصادي التي يستحقها، ولم تتمكن من بناء اقتصاد قادر على مواجهة الأزمات، أو تأسيس نظام مالي يحمي المواطن من تقلبات الأسواق والأزمات الاقتصادية التي يمكن أن تتعرض لها البلاد.ولم تستطيع توفير الأموال لاستيعاب الخريجيين الجدد وفتح ابواب التعيينات للشباب العراقي وهذا حق للجميع ..فكيف ستستطيع تذليل العقبات الاقتصادية للمواطن ورفع حالته المعيشيه كما وعدت حكومة السوداني !!!
وإذا كانت الحكومات المتعاقبة قد أخفقت في إدارة موارد الدولة، رغم ما يمتلكه العراق من ثروات وإمكانات اقتصادية كبيرة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل من العدالة أن يتحمل المواطن العراقي نتائج ذلك الفشل المتراكم؟ وهل من المنطق أن تكون معالجة الأخطاء المالية للحكومات على حساب المواطن الذي لم يكن شريكاً في صناعة تلك السياسات، ولم يكن صاحب القرار في رسم مساراتها؟
إن السياسة المالية التي تنتهجها الحكومة العراقية اليوم، وما يرتبط بها من إجراءات تمس سعر صرف الدولار الأمريكي والقوة الشرائية للدينار العراقي، تثير الكثير من التساؤلات بشأن الجهة التي تتحمل العبء الأكبر من نتائج هذه الإجراءات. فالمواطن العراقي يجد نفسه أمام موجة من ارتفاع الأسعار، وتراجع في قدرته الشرائية، وضغوط معيشية متزايدة، فيما تتآكل القيمة الفعلية لمرتبه، حتى وإن بقي رقمه الاسمي على حاله.
وهنا لا بد من التمييز بين الراتب بوصفه رقماً مثبتاً في السجلات، والراتب بوصفه قدرة حقيقية على شراء الغذاء والدواء والملابس وتوفير متطلبات السكن والتعليم. فالموظف الذي كان يستطيع تدبير شؤون أسرته بدخل معين، قد يجد نفسه اليوم عاجزاً عن توفير الاحتياجات ذاتها، ليس لأن راتبه انخفض بالضرورة من الناحية الحسابية، بل لأن الأسعار ارتفعت وأصبحت القوة الشرائية لدخله أقل. وهذه صورة من صور تراجع المستوى المعيشي الذي يدفع ثمنه أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة بصورة مباشرة.
ولكن لماذا يكون المواطن هو من يدفع ثمن الأزمة، ولا تمتد إجراءات المعالجة بالقدر نفسه إلى الامتيازات المالية للطبقة السياسية والمسؤولين؟
وكان من الممكن أيضاً أن يتجه العراق، في إطار سياسة اقتصادية مدروسة وطويلة الأمد، إلى تأسيس صندوق سيادي حقيقي، تُدار أمواله وفق قواعد مهنية واضحة، ويستند إلى موارد مستدامة وفوائض مالية مدروسة، ليكون إحدى أدوات حماية الاقتصاد الوطني عند الأزمات. فالصندوق السيادي ليس مجرد حساب تُجمع فيه الأموال، بل مؤسسة مالية تتطلب تشريعات وضوابط للحوكمة والشفافية والاستثمار، حتى لا يتحول هو الآخر إلى باب جديد للهدر أو الاستحواذ السياسي.
إن الدول التي تفكر بمستقبل أجيالها لا تكتفي بإنفاق إيراداتها عندما تكون الظروف الاقتصادية جيدة، بل تسعى إلى تكوين احتياطيات مالية وإدارة مواردها بطريقة تحميها من تقلبات أسعار النفط، وتمنحها القدرة على مواجهة الطوارئ دون اللجوء في كل أزمة إلى إجراءات يدفع المواطن ثمنها من قوته اليومي.
أما في العراق، فإن الحديث عن الإصلاح المالي لا يمكن أن يكون مكتملاً من دون التوقف عند الرواتب والمخصصات والامتيازات التي يحصل عليها كبار المسؤولين وأصحاب المناصب السياسية. فالمشكلة ليست في راتب مسؤول واحد فحسب، وإنما في منظومة من الامتيازات التي ينبغي مراجعتها وفق معايير العدالة الاقتصادية، وحجم المسؤولية الفعلية، والنتائج التي يحققها شاغل المنصب في خدمة الدولة والمجتمع.فقد بلغت نسبة مرتبات المسؤولين لوحدهم ما مقداره ٤٠٪ من اجمالي المرتبات الشهريه .. فكم مسؤول لدينا ينقل انه يتسلم عدد من المرتبات الفلكيه كمرتب خاص ومرتب جهادي ومرتب شهداء ومرتب رفحاء ووو نحن نبحث عن دولة مؤسساتية تضمن لكل عراقي مرتب واحد فقط لاغير حتى لو كان من يكون ، كما يجب تقليل موازنات بعض الوزارات الغير فاعله كالصناعة والبلديات وغيرها كما يجب اعادة النظر بتخصيصات الحصة التموينيه بما ينسجم والاسعار الحقيقيه السائدة عالميا ..
إن العراق لا تنقصه الموارد بقدر ما يحتاج إلى إدارة رشيدة لها، ولا تنقصه الإمكانات بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات قادرة على منع الهدر والفساد وتوجيه الإنفاق نحو الأولويات الحقيقية. والإصلاح المالي لا ينبغي أن يبدأ من جيب المواطن الذي أنهكته الأزمات، بل من مراجعة السياسات التي أوصلت الاقتصاد إلى مواطن الضعف، ومحاسبة المقصرين، واسترداد الأموال المنهوبة، وإعادة النظر في الامتيازات التي لا تتناسب مع المصلحة العامة.
إن السؤال الذي ينبغي أن يواجه الحكومة العراقية اليوم ليس كيف نجعل المواطن يتحمل المزيد من الأعباء، بل كيف نجعل الدولة أكثر قدرة على حماية مواطنيها من نتائج إخفاقاتها؟
فليس من العدالة أن يدفع المواطن ثمن الفشل مرتين؛ مرة حين تُهدر ثروات بلاده أو تُدار مواردها بصورة غير كفوءة، ومرة أخرى حين تُتخذ الإجراءات التي تقلص قدرته على العيش الكريم لمعالجة نتائج ذلك الفشل.
فالعراق ليس ملكاً للحكومة، ولا ثرواته امتيازاً للطبقة السياسية، بل هو وطن لجميع أبنائه، ومن حق المواطن العراقي أن يعيش بكرامة، وأن يرى في المال العام وسيلة لتحسين حياته، لا سبباً إضافياً لمعاناته.
فإلى متى يبقى المواطن العراقي هو الحلقة الأضعف في معادلة الإصلاح المالي؟ ومتى يأتي اليوم الذي يتحمل فيه المسؤول نصيبه من نتائج الفشل، بدلاً من أن يُطلب من المواطن وحده دفع الفاتورة؟
.
