JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Accueil

قراءة ساخرة في مجالس الحكمة والدراسات وصناعة القرارات في الدول العظمى !!


بقلم الكاتب الناقد السياسي 

حسن درباش العامري..

تخابروا وتأنّقوا وتجمّعوا، وتهامسوا وتلامزوا، ووسوس كلٌّ منهم لصاحبه كي لا يسمعهم الآخرون، فقد تضائلوا وتلاشوا، وأصابهم العمى من نور أولئك الآخرين، حتى غدوا لا يرون من الحقيقة إلا ما تسمح لهم مقاعدهم برؤيته لان الطاولة مرتفعة فلا يرى من الزملاء الا ذقونهم وشعورهم ، ولا يسمعون من أصوات الناس إلا ما يصل إليهم بعد أن تفقد الكلمات حرارتها، وتُنتزع منها أوجاع أصحابها.

فتحدّث كبيرهم، (البوّ)، وانتفخت( أَبْواءُ) القوم في مقاعدها، وكأنما أصابها ما أصاب كبيرها من عظمةٍ موهومة، ثم قال بصوتٍ خفيض، لا يخلو من نبرة الواثق من الابواء لاتفهم مايقول ، و يظن أن العالم ينتظر منه كلمة الفصل: لنحلّ الأزمة الاقتصادية التي تهدّد العالم، كي يحيا الناس بنعيم وسلام!

اعتدل الآخر في جلسته،حتى بانت شواربة ومسح على ثيابه الأنيقة واعاد عقدة ربطته من الشرق الى الغرب ، ثم تهيّأ لطرح ما في جعبته من أفكارٍ واسرار وحلول ،ظلّت حبيسة الأدراج حتى وجدت أخيراً فرصة للخروج، فقال: لنخفض سعر الدولار، أو لنرفعه، او نطبع دولارا غيره ! فالمهم أن نتخذ قراراً يُشعر العالم بأننا نفعل شيئاً!

عطس الآخر، واصدر صوتا ، وتبادلوا النظرات، ثم نهض أحدهم، وقد شعر أن اللحظة التاريخية تستدعي تدخّله، فقال: أقترح أن نخفض أصواتنا، لنبدو أكثر علماً واتزاناً؛ فالعالم يخفض صوته، والجاهل يرفعه!

هزّ كبيرهم رأسه إعجاباً، وكأنما سمع نظرية اقتصادية لم يسبق إليها أحد، ثم أشار بيده إشارة العارف بخفايا الأمور، وقال: علينا أن نصفر مشاكل العالم كله، فلا ازمة اقتصادية في امريكا ولانمو اقتصادي في الصين ولا ركود في فرنسا ،فلنخترع نظاما اقتصاديا جديدا نسميه الاقتصاد الاشتراكي الحر المقيد ، وأن نطبّق قانون الغابة، فهواء الغابات جميل، وأهلها يعرفون كيف يتعايشون من دون مؤتمرات ولا لجان ولا بيانات ختامية!

صمت الجميع لحظات، ثم نظر أحدهم إلى الآخر، وكأنما اكتشف لتوّه أن الغابة لا تحتاج إلى ميزانية، ولا إلى سعر صرف، ولا إلى موازنة اتحادية، ولا إلى شعبٍ يطالب بحقوقه في آخر

تبادلوا الابتسامات، وبدأت الرؤوس تهتزّ، لا لأن الفكرة اكتملت، بل لأن صاحبها كان كبيراً بما يكفي ليُصفّق له الآخرون. وفي مجالس كهذه، لا تُقاس الأفكار بما تحمله من حلول، بل بمكانة صاحبها، ولا يُوزن الكلام بميزان الحقيقة، بل بمدى قربه من آذان الجالسين في صدر المجلس.

ثم نهض أحدهم، وكان قد أمضى سنوات طويلة في دراسة الملفات، حتى أصبحت الملفات تعرفه أكثر مما يعرفها، وقال: أقترح أن نشكّل لجنة عليا لدراسة أسباب ارتفاع الأسعار، ولجنة فرعية لتحديد الجهات المسؤولة، ولجنة استشارية لتقييم أداء اللجنة الفرعية، على أن تُرفع النتائج إلى لجنة مركزية تحدّد موعد الاجتماع المقبل!

سأله آخر، وقد بدا عليه شيء من الجرأة غير المحسوبة: وماذا عن المواطن؟

ساد الصمت، وتبادلوا النظرات، وكأن الرجل ارتكب خطأً لغوياً جسيماً بإقحام المواطن في اجتماع خُصّص لإنقاذ الاقتصاد العالمي!

قال كبيرهم، بعد أن استعاد وقاره وانتفخت

صفّق بعضهم، لا لأن الفكرة تستحق التصفيق، بل لأن أحدهم بدأ بالتصفيق، وخشوا أن يُفسَّر صمتهم على أنه اعتراض، والاعتراض في مجالس الحكماء قد يُعدّ دليلاً على نقص المعرفة أو فائض العقل، وكلاهما لا يناسب المرحلة!

وفي تلك الأثناء، ارتفع صوت أحد المستشارين، وكان قد قضى عمره يتنقّل بين المكاتب والمناصب، فقال: أيها السادة، علينا أن ندرس حركة الدولار، ونراقب حركة الأسواق، ونحلّل حركة المواطن، مع ضرورة عدم إغفال حركة الرياح، فقد تكون لها انعكاسات مباشرة على حركة الاقتصاد!

نظر إليه كبيرهم بإعجاب، وقال: أحسنت، هذه رؤية شاملة، فالأزمات لا تُحلّ بالنظر إلى المشكلة وحدها، وإنما بالنظر إلى كل ما يحيط بها، حتى لو لم نعرف ما علاقة بعضه ببعض!

وهنا عطس أحدهم، فعطس الآخرون خلفه، وظنّ أحد المستشارين أن العطاس إشارة إلى ضرورة تغيير السياسة النقدية، فاقترح رفع الدولار، بينما رأى زميله أن العطاس ربما يعني خفضه، أما الثالث فقد نصح بتأجيل القرار حتى يتبيّن اتجاه الرياح

أجابه بثقة: فور الانتهاء من إعداد التوصيات، ومراجعتها، والمصادقة عليها، وتحديد الجهات التي ستتولى تنفيذها، ووضع جدول زمني مناسب، مع مراعاة الظروف المستجدة!

ثم أضاف، وكأنه يخشى أن يترك للحقيقة فرصة للتسلل إلى المجلس: المهم أن يعرف العالم أننا اجتمعنا، وأننا ناقشنا، وأننا اتفقنا على ضرورة الاتفاق!

وفي نهاية الاجتماع، خرجوا إلى شرفة القصر، ونظروا إلى الأفق البعيد، حيث كان الناس يتزاحمون أمام الأسواق، يحسبون ما تبقّى في جيوبهم، ويعيدون ترتيب احتياجاتهم، ويؤجلون شراء ما كانوا يشترونه بالأمس من دون حساب، فيما كان ربّ الأسرة يقف أمام البائع، يراجع قائمة حاجاته، ثم يحذف منها ما لا يستطيع دفع ثمنه، حتى صار الاقتصاد في قاموسه البسيط معادلةً لا تحتاج إلى مستشارين: كيف نصل إلى آخر الشهر من دون أن ينقص الخبز من المائدة؟

قال أحد المجتمعين: انظروا، ما أروع قدرة شعبنا على التكيّف!

أما البوّات، فقد ظلّت منتفخة في مقاعدها، تتبادل النظرات وتوزّع الحكمة، حتى خُيّل لمن يراها من بعيد أنها تملك مفاتيح العالم، وأن أسرار الاقتصاد والسياسة والسلام محفوظة في جعبتها، بينما كان العالم، في الخارج، يمضي في طريقه، غير آبهٍ باجتماعاتها ولا بقراراتها.

ولعلّ أكثر ما كان يثير دهشة المشهد أن أحداً منهم لم يسأل نفسه إن كان ما يقوله قابلاً للتطبيق، أو إن كان ما يقرّره قادراً على تغيير واقع الناس؛ فقد كانت الثقة بالنفس بديلاً عن المعرفة، وكانت البلاغة بديلاً عن الإنجاز، وكان الاجتماع نفسه يُعامل باعتباره إنجازاً يستحق الاحتفال، حتى لو خرج منه الجميع بما دخلوا به، باستثناء زيادة جديدة في عدد الأوراق الموقّعة ومحاضر الجلسات.

وهكذا انتهى الاجتماع، وعاد كلٌّ منهم إلى موقعه، مطمئناً إلى أنه أدّى واجبه، وأن الأزمة ستجد طريقها إلى الحل عاجلاً أم آجلاً، وربما كان الأمل معقوداً على أن تتعب الأزمة من الانتظار فترحل وحدها، أو أن ينسى الناس أنهم كانوا ينتظرون حلاً من الأساس!

فالمشكلة ليست دائماً فيمن لا يعرف، بل فيمن لا يعرف أنه لا يعرف، ثم يجلس في صدر المجلس ليعلّم الآخرين كيف ينبغي للعالم أن يفكّر!

NomE-mailMessage