بقلم المهندس حيدر عبدالجبار البطاط
حين صدحت مآذن النجف الأشرف وبيانات مراجعها العظام في عام 1972 مباركةً قرار تأميم النفط
لم تكن تلك ( مباركة سياسية ) عابرة بل كانت تأسيساً فقهياً ووطنيا لمفهوم السيادة و حماية الجهد الوطني
لقد انطلق السيد الخوئي (قدس سره) وأركان الحوزة العلمية من قاعدة شرعية صلبة ( النفط ملك للشعب ) وأن يد الأجنبي على ثروات المسلمين هي يدٌ جائرة يجب كفُّها لتحقيق مصلحة الفقراء وتنمية البلاد.
من فقه ( التأميم ) إلى واجب ( التمكين )
إن الربط بين فتوى التأميم والواقع الحالي يضعنا أمام استحقاق تاريخي فالتأميم لم يكن مجرد نقل ملكية بل كان إعلاناً عن ولادة ( الجهد الوطني ).
هذا الجهد الذي أثبت أنه الأقدر على صيانة الثروة.
إن الاعتماد المفرط على الاستثمارات الأجنبية وتكبيل مستقبل البلاد بعقود طويلة الأمد يمثل تراجعاً عن روح تلك الفتوى التي أرادت للقرار العراقي أن يكون حراً بامتياز
الجناية على ( حق الأجيال ) سرقة عابرة للزمن
إن التصرف بالثروة النفطية في هذه الحقبة وكأنها ملكٌ للجيل الحالي وحده هو خطأ شرعي فادح.
فالثروات الطبيعية في المنظور الفقهي الرصين هي ملك للأمة بكافة أجيالها المتعاقبة وأي تصرف يؤدي إلى استنزافها هو تصرف في مال الغير بلا إذن شرعي.
وما يحدث من استنزاف محموم وتوزيع امتيازات وتسريع الاستخراج دون التفكير بحق الاجيال هو
1. تبديداً للأصول
إن استخراج النفط دون مراعات حقوق الأجيال يعني حرمان أحفادنا من حقهم في العيش الكريم والتصرف بثروة لم نُفوّض شرعًا بإنهائها.
2. قتلاً للمستقبل
إن إفقار الأجيال اللاحقة عبر رهن مواردها هو بمثابة ( قتل اقتصادي ) مع سبق الإصرار و الترصد و اثم كبير لا يسقط بمرور الزمن لأنه مستمر الأثر.
الرهان على التكنولوجيا … لماذا نستعجل البيع؟
من منظور ( ذكي مزلزل ) يتغافل الكثيرون عن حقيقة تقنية كبرى هي ان المستقبل يخبئ ثورات تكنولوجية في الاستخراج والتصنيع.
ان الإبقاء على جزء كبير من الخزين النفطي تحت الأرض هو استثمار ذكي لأن كلفة استخراجه مستقبلاً ستكون أقل بفضل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الروبوتية وقيمته كمادة خام للصناعات التحويلية (البتروكيمياويات) ستكون أضعاف قيمته الحالية كوقود يُحرق عبثاً.
و خاصة إذا علمنا أننا لا نملك صندوق للاجيال
إن التفريط بالثروات الآن لصالح شركات أجنبية هو هدرٌ لفرص الربح العظيم التي ستجنيها الأجيال القادمة حين تمتلك أدوات تكنولوجية أكثر تطوراً من أدواتنا الحالية.
الجهد الوطني… تجسيد للفتوى
إن الجهد الوطني ليس مجرد مصطلح فني بل هو تجسيد لفتوى التأميم والتخلي عنه هو تخلي عن مضمون تلك الفتوى لا عن شكلها فقط.
يجب التوقف عن سياسة بيع الحاضر والمستقبل والتمسك بحق الإجيال في إدارة ثرواتها.
إن الوفاء لبيانات مراجع الدين الذين حرروا الثروات من قبضة الأجانب يقتضي منا اليوم ضرورة الالتزام بها مجددا
لان الموارد الطبيعية أمانة الله في أرضنا وحق الأجيال فيها لا يسقط بالتقادم و صيانتها واجب شرعي و المعركة الحقيقية للسيادة.
