JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Accueil

الديمقراطية المستوردة بين عطب الفكرة وفساد التطبيق


 بقلم / الكاتب حسن درباش العامري 

لم تكن التجربة الديمقراطية التي جاءت بها الولايات المتحدة إلى العراق مشروعًا نابعًا من تطورٍ داخلي أو حاجةٍ مجتمعيةٍ متراكمة، بل جاءت محمولةً على ظهر الدبابة، مفروضةً بإرادة الخارج قبل أن تنضج لها شروط الداخل. ومنذ لحظتها الأولى، ظل السؤال معلّقًا: هل يمكن لنظامٍ سياسي أن يترسخ في بيئة لم تُمهَّد له ثقافيًا واجتماعيًا ومؤسساتيًا؟

اليوم، وبعد أكثر من عقدين على انطلاق تلك التجربة، تبدو ملامح التراجع واضحة. فالجهة التي بشّرت بالديمقراطية وروّجت لها، تبدو وكأنها تعيد النظر في مآلاتها، بل وتتدخل بما يتنافى مع روحها. حين تُرفض شخصية مرشحة بحجة عدم القبول الدولي مادامت تلك الشخصيه لاتضمن لها مصالحها او مصالح حلفائها ولو على حساب مصالح الشعب ، ويُدفع باتجاه بديلٍ يحظى برضا الخارج وان كان فاشلا لايفقه بمعنى ادارة الدوله او الحفاض على امن المجتمع او الامن الاقتصادي ، فإن ذلك يهزّ جوهر الفكرة وروح الديمقراطية نفسها، التي يفترض أن تقوم على الاغلبية السياسية و إرادة الناخبين لا على مقاييس العواصم الأجنبية.

إن أدوات تطبيق الديمقراطية في العراق لم تعد متناسقة؛ فالمؤسسات ضعيفة، والثقة الشعبية متآكلة، والتوافقات السياسية تحولت إلى صفقات بيد سياسيين ليسوا هم النخبة بالبلد بل مايسمى بالعملية السياسية تتجنب النخبة المثقفه وتهمشهم وتبعدهم والاحزاب السياسيه هي تجمعات مغلقه ومقفله على شخص واحد يتجمع حوله مجموعه لايمكن تبديلها بل تشعر بالخطر عن اقتراب المثقفين والاكاديميين منها . ومع كل أزمة، يتكشف الخلل البنيوي في منظومة الحكم، وكأن التجربة تُدار بمنطق إدارة الأزمات لا بمنطق بناء الدولة.

أما الأغلبية التي تسلمت زمام السلطة باسم الاستحقاق الانتخابي، فقد وقعت في اختبار الإدارة الرشيدة. إذ لم تستطع أن تقدم نموذجًا متماسكًا للحكم، بعد أن تفشّى الفساد في مفاصل الدولة واصبح المال العام لديها استحقاق لايمكن التنازل عنه ، وتحولت السلطة إلى مجال لتقاسم النفوذ والمغانم والازمة الاقتصادية الحالية تثبت تمسكهم بما يتمتعون به وهم غير مستعدين للتنازل عنها لذلك يتجهون للانقضاض على مرتبات المواطنيين ورفع والرسوم الكمركية التي تنعكس بدورها على المواطن . ومع كل انخفاض في أسعار النفط، تنكشف هشاشة الاقتصاد الريعي، وتتصاعد الخلافات بين القوى المتنفذة حول الحصص والامتيازات، فتطفو على السطح روائح الصراع المكشوف.

وحين تعجز السلطة عن إصلاح ذاتها، تلجأ غالبًا إلى الحلقة الأضعف: الشعب. فتُفرض الضرائب والرسوم تحت عناوين متعددة، وتتسع دائرة الجباية حتى تمسّ قطاعات حساسة كالتعليم، وهو ما يُعدّ مؤشرًا خطيرًا في أي نظام سياسي. فالتعليم ليس بندًا ماليًا يُساوَم عليه، بل هو ركيزة الاستقرار ومستقبل الدولة. وحين يُستهدف، فإن الرسالة تكون أوضح من أي خطاب سياسي.

التاريخ يخبرنا أن الأنظمة لا تسقط فجأة، بل تتآكل تدريجيًا. تبدأ المؤشرات بتآكل الشرعية، وازدياد الفجوة بين الحاكم والمحكوم، وتضخم الضرائب والرسوم لتعويض عجز الإدارة والفساد، حتى تتحول الضغوط المعيشية إلى غضبٍ صامت، ثم إلى حراكٍ معلن. وعندما يشعر المواطن أن الدولة لم تعد حاميةً لحقوقه بل عبئًا عليه، فإن العقد الاجتماعي يكون قد تصدّع.

إن العراق اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما مراجعة شاملة تعيد تصحيح المسار، وتبني مؤسسات حقيقية تحترم إرادة الناخبين وتكافح الفساد وتعيد النظر بمرتبات مهوله للرئاسات والوزراء والدرجات الخاصه ورفض المرتبات التقاعديه خارج قانون الخدمه المدنيه ،،بجدية، أو استمرار النهج ذاته بما يحمله من مؤشرات إنذار. فالديمقراطية ليست صناديق اقتراع فحسب، بل منظومة قيم ومؤسسات وعدالة وشفافية. وإذا فُقدت هذه الأسس، تحولت إلى عنوانٍ بلا مضمون.

السؤال لم يعد: هل التجربة الديمقراطية نجحت أم فشلت؟

بل: هل هناك إرادة حقيقية لإنقاذها قبل أن تدخل مرحلة اللاعودة؟

NomE-mailMessage