بقلم الكاتب والناقد السياسي
حسن درباش العامري...
قال تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [مريم:71]
إذا قرأنا المشهد العراقي بعيدًا عن الانتماءات السياسية، فإننا نجد أن البلاد تقف أمام مفترق طرق قد يكون الأخطر منذ عام 2003. فالتراكمات التي أنتجتها وتتحملها الحكومات المتعاقبة لم تعد مجرد أخطاء إدارية وتجاوزات قانونية ، بل تحولت إلى أزمات بنيوية تمس حياة المواطن اليومية في كل الميادين ، من السكن والعمل إلى الزراعة والصناعة والخدمات، فضلًا عن ملفات الفساد التي هزت ثقة الشارع بالدولة.وتتحملها السلطة التنفيذية بالدرجة الأولى.
لقد فشلت الطبقة السياسية، بحسب منتقديها، في إدارة المال العام بصورة تحقق التنمية المستدامة فلم تهتم باي هدر مالي ولم تطالب بحسابات ختاميه بل لم اعتبرت الوزارات حصص للمكونات تفعل فيها ماتشاء وكانها ليست ملك لشعب كامل ولبناء مستقبل لاجيال قادمه ، وتحول الفساد في نظر كثيرين من حالات فردية إلى ظاهرة مؤسسية استنزفت مقدرات الدولة بسبب التراخي في تطبيق القانون على من يثبت عليه جريمة السرقه وكما هم يقولون (غطيلي واغطيلك) والتغطيه هنا تعني لنسرق جميعا ولانخبر احدا !!. وما كشف خلال السنوات الأخيرة من قضايا فساد ضخمة، والأموال التي ضبطت مخبأة بطرق غير مألوفة، يعكس مدى الفشل في الادارة الماليه و ترك انطباعًا داخليًا وخارجيًا بأن العراق ما زال يعاني أزمة حوكمة حقيقية.
ومن أبرز مظاهر هذا الفشل أزمة السكن. فالنمو الطبيعي للأسر العراقية وانشطارها الطبيعي وتكوين عائلات جديدة يتطلب سياسة إسكانية بعيدة المدى، بينما يرى كثير من المواطنين أن الدولة لم توفر حلولًا كافية،وما قامت به من بناء مجمعات سكنيه لم تكن حلا للشعب لانها لاتتناسب والمستوى المعاشي للمواطنيين بل اختص بطبقات مرفهه فقط ،لذلك سكنها من كان قريب من السياسيين وملحقاتهم !!! الأمر الذي دفع آلاف العائلات إلى السكن في العشوائيات أو البناء في مناطق زراعية، ثم وجدت نفسها لاحقًا أمام حملات إزالة أو هدم، لتصبح الخسارة مضاعفة على المواطن الذي أنفق مدخراته من دون أن يجد بديلًا مناسبًا.
ولا تختلف الصورة كثيرًا في قطاع التعليم وسوق العمل، إذ توسعت الجامعات والكليات الأهلية بصورة كبيرة لتقبل الجميع دون تخطيط او ضوابط، بينما بقيت خطط استيعاب الخريجين في القطاعين العام والخاص محدودة، ما أدى إلى تزايد أعداد العاطلين من حملة الشهادات، وطرح تساؤلات حول مدى ارتباط سياسة القبول باحتياجات سوق العمل.
أما الزراعة فقد استبشرنا خيرا عندما كان رئيس الوزراء شخص مختص بالزراعة لكنها تراجعت بكل كبير بوجوده وكذلك الصناعة، فقد بقيتا بعيدتين عن مستوى الطموح، رغم الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها العراق، الأمر الذي زاد من الاعتماد على الاستيراد، وأضعف قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل حقيقية. كما ان هنالك مؤسسات ربحيه كالمطارات والمنافذ الحدوديه والموانئ وغيرها والكثير من السياسيين يصرحون جهارا نهارا بأن العراق يعتمد على العائدات النفطيه ولم تدخل موازنته اموال غيرها فيما عائدات بيع المشتقات النفطية لوحداه وعائدات الموانئ والمطارات يمكنها سد المرتبات والموازنات التشغيليه ...
ويقى ملف العلاقات الدوليه من اهم مؤشرات التراجع فعندما تجد دول تتعامل مع اشخاص خارج مضلة الحكومه فهذا امر يلزم وقفة حقيقيه ،فحينها نبحث عن معنى التخابر مع جهة اجنبيه كيف يكون ؟؟؟ وتبقى الية اختيار السفراء وموظفي البعثات الدبلوماسية مؤشر خطير عن تراجع علاقات العراق الدوليه ..
كل هذه العوامل قد تدفع إلى إعادة فتح النقاش حول نظام المحاصصة وآلية توزيع السلطة، مع تصاعد الأصوات المطالبة بدولة تقوم على الكفاءة وسيادة القانون بدلًا من الانتماءات الحزبية أو المكوناتية. غير أن الوصول إلى هذا التحول يعتمد على توافقات سياسية ودستورية معقدة، وليس على الرغبة الشعبية وحدها.
وفي هذا السياق، تتداول بعض الأوساط السياسية والإعلامية حديثًا عن اهتمام دول إقليمية ودولية، ومنها الولايات المتحدة، بمتابعة شكل القيادة العراقية المقبلة، بل وتُطرح أحيانًا تسريبات عن دعم أو إعداد شخصيات جديدة دون التقيد بالمكوناتيه!!!
لتحول العراق الى حاجزا بوجة ايران ، لمرحلة قادمة. إلا أن هذه المعلومات لم تؤكدها مصادر رسمية حتى الآن، ولذلك تبقى في إطار التحليلات والتكهنات السياسية، ولا يمكن الجزم بصحتها.
إن مستقبل العراق لن يُحسم بمجرد تغيير الأشخاص أو انتقال المنصب التنفيذي من مكون إلى آخر، بل بقدرة أي قيادة مقبلة على بناء مؤسسات قوية، ومحاربة الفساد دون انتقائية، وإعادة ثقة المواطن بالدولة، وتوفير السكن والعمل والخدمات والعدالة. فنجاح الدولة يقاس بقدرتها على خدمة جميع مواطنيها، وليس بالهوية السياسية أو الطائفية لمن يتولى السلطة.
