JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Accueil

الخلافات بين الأحزاب الكردية وأزمة تمثيل السلطة في عراق ما بعد 2003

 بقلم: دكتور مظهر حسن

لم تكن عملية انتخاب رئيس جمهورية العراق في النظام السياسي بعد سقوط صدام مجرد عملية قانونية أو بروتوكولية، بل كانت دائمًا بمثابة آلية لتنظيم توازن القوى القومي-السياسي. وفي هذا السياق، لم يأتِ تخصيص هذا المنصب للأكراد عُرفيًا من قبيل الصدفة، بل كان نتاج اعتبارات استراتيجية لترسيخ مشاركتهم في هيكل السلطة الوطنية. إن الأزمة الحالية حول انتخاب رئيس الجمهورية، أكثر من كونها خلافًا فرديًا أو تكتيكيًا، تعد مؤشرًا على دخول السياسة الكردية مرحلة جديدة ومليئة بالتحديات؛ مرحلة لم تعد فيها الأعراف القديمة كافية، ولكن لم يتشكل بديل مؤسسي وراسخ بعد.

ظاهريًا، يبدو الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) والاتحاد الوطني الكردستاني (PUK) حول تقديم مرشح للرئاسة صراعًا على «الحصص»؛ ولكن في مستوياته الأعمق، يعكس هذا الخلاف قراءتين مختلفتين لمفهوم الشرعية السياسية. يعتقد الحزب الديمقراطي، معتمدًا على تفوقه الانتخابي النسبي في البرلمان العراقي، أن الثقل العددي يجب أن يؤدي إلى إعادة تعريف الأعراف السابقة. في المقابل، لا يزال الاتحاد الوطني يصر على شرعيته التاريخية ودوره الراسخ في ضمان مشاركة الأكراد في السلطة الوطنية. هذا التعارض قد أبرز الانقسام بين «الشرعية الانتخابية» و«الشرعية التاريخية-التوازنية» إلى ساحة السياسة العراقية بوضوح.

منصب رئاسة جمهورية العراق، على الرغم من صلاحياته المحدودة دستوريًا، إلا أنه يحتل عمليًا مكانة محورية في إدارة الأزمات السياسية، وتسهيل العمليات البرلمانية، ولعب دور الوسيط بين الكتل. بالنسبة للأكراد، يتجاوز هذا المنصب كونه مقعدًا رمزيًا؛ فهو أداة للحضور المستمر في قلب صنع القرار ببغداد. لذلك، سرعان ما تجاوز الخلاف حول هذا المنصب مستوى «المنافسة الحزبية» ليصبح قضية تتعلق بمستقبل دور الأكراد في النظام السياسي العراقي.

إحدى أهم تداعيات الخلافات الحالية هي إضعاف التماسك الكردي الداخلي على المستوى الوطني. فعندما لا يدخل الأكراد المنافسة بمرشح واحد، فإنهم عمليًا يتنازلون عن زمام المبادرة للاعبين الآخرين. في مثل هذا الوضع، لن تصبح الكتل الشيعية والسنية مجرد أصوات مرجحة فحسب، بل ستكون قادرة أيضًا على استغلال الانقسام الكردي كورقة ضغط في ملفات أخرى. وهذه العملية تؤدي إلى تآكل استقلالية القرار الكردي تدريجيًا.

السيناريوهات المطروحة لانتخاب رئيس الجمهورية تحمل كل منها تداعيات مختلفة، لكن التحليل الواقعي يظهر أن المسار الأكثر ترجيحًا هو المنافسة البرلمانية دون اتفاق كردي داخلي. هذا السيناريو أقل تكلفة من الناحية التكتيكية للأحزاب، لأنه لا يتطلب تراجعًا يمس الهيبة أو تسوية صعبة. لكنه من منظور استراتيجي، يُعد الخيار الأكثر تكلفة للسياسة الكردية برمتها. فتشتت الأصوات الكردية لا يقلل من وزنهم فحسب، بل يشوه أيضًا صورتهم كلاعب متماسك في بغداد.

في المقابل، سيناريو الاتفاق الكردي الداخلي الكامل، على الرغم من أنه الخيار الأمثل من منظور القدرة على المساومة، إلا أنه لا يبدو واقعيًا على المدى القصير بالنظر إلى مستوى انعدام الثقة المتراكم والمنافسات الشخصية والحزبية. كما أن الجمود والتأخير في الانتخاب هو سيناريو يمكن أن يزيد من تكاليف الاستقرار السياسي في العراق ويفاقم السخط العام. في غضون ذلك، تلعب الخيارات الوسطية أو المفاجئة دور المسكنات المؤقتة أكثر من كونها حلولاً مستدامة.

المرشحون الذين قدمهم الحزبان الرئيسيان يمثلون بحد ذاتهم هاتين المقاربتين المختلفتين. فؤاد حسين، كخيار للحزب الديمقراطي، يحمل رسالة التغيير وإعادة تعريف قواعد اللعبة بناءً على توازن القوى الجديد؛ بينما يمثل نزار آميدي استمرارية الأعراف التقليدية والحفاظ على التوازن التاريخي. المنافسة بين هاتين الشخصيتين هي في الواقع منافسة بين روايتين لمستقبل السياسة الكردية في العراق: إحداهما تقوم على العدد والقوة الانتخابية، والأخرى على التوازن والاستقرار.

الآثار طويلة المدى لهذه الأزمة لن تقتصر على انتخاب شخص واحد. فاستمرار الخلافات يحمل في طياته خطر امتداد الانقسامات إلى داخل إقليم كردستان وإضعاف الثقة العامة بالنخب السياسية. كما أن الملفات الحساسة مثل ميزانية الإقليم، وإدارة موارد النفط والغاز، والمناطق المتنازع عليها، ستواجه تحديات أكثر خطورة في ظل غياب موقف كردي موحد.

من منظور الأطراف غير الكردية، فإن كيفية التعامل مع هذه الأزمة تكتسب أهمية خاصة. قد يبدو الاستغلال قصير المدى للخلافات الكردية مفيدًا في المرحلة الحالية، ولكنه سيؤدي على المدى الطويل إلى عدم استقرار هيكلي وزيادة انعدام الثقة. إن دعم آليات الحوار الكردي الداخلي وتعزيز المؤسسات المشتركة هو خيار استراتيجي أكثر بكثير من الانحياز إلى حزب معين.

ختامًا، يمكن القول إن أزمة انتخاب رئيس الجمهورية في العراق هي اختبار حاسم للنضج السياسي الكردي. تُظهر هذه الأزمة أنه بدون بناء المؤسسات، وتشكيل الإجماع، وإعادة تعريف قواعد اللعبة، فإن أي منافسة انتخابية يمكن أن تتحول إلى عامل يضعف مكانة الأكراد. إن مستقبل دور الأكراد في العراق لن يتحدد بانتصار مرشح واحد، بل بقدرتهم على تجاوز منطق المنافسة الصفرية والتحرك نحو حوكمة جماعية.

NomE-mailMessage