JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Accueil

يهدمون البيوت ويتركون من باع الأرض !


 د. جواد التونسي

تباينت الأخبار بشأن طبيعة الأراضي المعنية، وهل هي مجرد تجاوزات لما يسمى بـ"الحواسم"، أم أنها أراضٍ زراعية مملوكة بسندات" 25" أو لها أوضاع قانونية مختلفة، لكن بعيداً عن التوصيفات المتداولة، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: العراق يعيش منذ أكثر من عشرين عاماً مشكلة متراكمة اسمها بيع وتقسيم الأراضي الزراعية وتحويلها عملياً إلى أحياء سكني، على مدى سنوات، جرت عمليات بيع وتقسيم لقطع من الأراضي الزراعية إلى مساحات صغيرة، وبُنيت عليها آلاف المنازل، وغالبية الذين سكنوا فيها ليسوا أصحاب مشاريع استثمارية كبرى، بل مواطنون من محدودي الدخل وجدوا أنفسهم أمام أزمة سكن خانقة وأسعار عقارات تفوق قدرتهم، المشكلة أن الدولة لم تعالج أصل الخلل في حينه، فقد استمر البناء في مناطق كثيرة، ومدت إليها خدمات الماء والكهرباء والمجاري، وشُقت الطرق وجرى تبليط بعضها، أحياناً بجهد الدولة وأحياناً بمساهمات السكان أنفسهم، وبمرور السنوات تحولت تلك المناطق من مجرد قطع زراعية على الورق إلى واقع سكاني يضم آلاف المنازل وملايين المواطنين، وهنا يجب أن يكون السؤال واضحاً، هل يعقل بعد عشرين عاماً من السماح بهذا الواقع أن تأتي المعالجة اليوم بهدم المنازل وإخراج السكان؟ ، إذا كانت هناك مخالفات قانونية، فمن يتحمل مسؤولية السماح بتراكمها؟ ومن سمح بالبيع والتقسيم؟ ومن غض الطرف عن البناء؟ ومن أوصل الخدمات إلى تلك المناطق؟ ومن ترك المواطن يدفع أمواله ويبني منزله طوال هذه السنوات دون حل جذري؟، أما الحديث عن "الحواسم"، فيجب عدم خلطه بملف الأراضي الزراعية ذات السندات والملكيات والأوضاع القانونية المختلفة، التجاوز على أرض مملوكة للدولة يختلف قانونياً وإدارياً عن أرض زراعية جرى بيعها وتقسيمها وبناء مساكن عليها منذ سنوات طويلة، والأغرب أن الدولة تتحدث في الوقت نفسه عن تحويل قسم من الأراضي الزراعية التي استوطنها الناس فعلياً إلى طابو سكني، وهو ما يعني أن هناك اعترافاً عملياً بأن جزءاً من هذه المناطق أصبح واقعاً سكانياً لا يمكن تجاهله، الحل ليس في هدم بيوت الفقراء، ولا في ترك الفوضى مستمرة، الحل في جرد شامل للأراضي، وتحديد الملكيات، ومحاسبة المتسببين بعمليات البيع والتقسيم غير القانوني، ثم وضع آلية قانونية عادلة لتسوية أوضاع المناطق التي أصبحت واقعاً سكنياً، مع استحصال حقوق الدولة وتنظيم الملكية والخدما، فالمواطن الذي اشترى قطعة وبنى بيتاً ودفع ثمنها ومدخراته لا ينبغي أن يكون وحده من يدفع ثمن فشل إداري استمر عقدين، الدولة القوية لا تهدم واقعاً صنعته بنفسها طوال عشرين عاماً، بل تصحح الخطأ وتحاسب من صنعه وتحمي المواطن الذي وقع ضحيته وفي نهاية المطاف، فإن ملف الأراضي الزراعية التي تحولت إلى مناطق سكنية لا يمكن اختزاله بكلمة " تجاوز" أو اتخاذ قرار الهدم وكأن المشكلة بدأت بالأمس، نحن أمام تراكم عمره أكثر من عشرين عاماً، شاركت في صناعته أخطاء إدارية وقانونية، وعمليات بيع وتقسيم غير أصولية، وغضّ طرف، وغياب التخطيط، فضلاً عن أزمة سكن دفعت آلاف العائلات إلى البحث عن أي مساحة تؤمّن لهم سقفاً يأويهم، ومن غير المنطقي أن يدفع المواطن البسيط وحده ثمن هذه الفوضى، بعد أن أنفق مدخراته وبنى منزله وعاش فيه سنوات، وبعد أن وصلت الخدمات إلى مناطق عديدة وأصبحت أحياء مكتملة الأركان، فإن كانت هناك مخالفات، فلتُحاسَب الجهات التي سمحت ببيع الأراضي وتقسيمها والبناء عليها، قبل أن تُحمّل المسؤولية لعائلة لا تملك سوى بيتها، كما ينبغي التفريق بوضوح بين تجاوزات الحواسم وبين الأراضي الزراعية ذات السندات والملكيات القانونية، لأن خلط الملفات لا يقود إلى حل، بل يزيد من معاناة المواطنين ويخلق ظلماً جديداً فوق ظلم قديم.

NomE-mailMessage