JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Accueil

الخنزير حرام وخنازير الفساد تلتهم الحرام


 د. جواد التونسي

قضية الخنازير البرية التي ظهرت في النجف، والتي لم يتجاوز عددها أصابع اليد، تحولت خلال ساعات إلى قضية رأي عام شغلت العراقيين، وأثارت نقاشاً واسعاً حول الذبح والبيع والطعام الحلال والحرام، ومسؤولية الجهات الرقابية والصحية، وكيف وصلت هذه الحيوانات إلى أيدي القصابين ثم إلى موائد الناس، ولا شك أن سلامة غذاء العراقيين ليست قضية هامشية، وأن أي تجاوز على القوانين الصحية والبيطرية يجب أن يُحاسب عليه المسؤول عنه، لأن صحة المواطن ليست مجالاً للتجربة أو الاستهتار، لكن وسط كل هذه الضجة، يبرز سؤال أكبر وأشد مرارة، ماذا نقول عن "الخنازير البشرية" التي لم تدخل النجف صدفة، ولم يعثر عليها أحد في البرية، بل استوطنت مؤسسات الدولة ومراكز القرار، وأكلت المال العام، ونهشت حقوق الناس، وأفسدت الأرض والحرث والنسل، إذا كان الخنزير الحيواني يُرفض لأنه محرم، ويُمنع من الوصول إلى مائدة العراقي، فلماذا سكتنا طوال سنوات عن خنازير الفساد التي التهمت مائدة العراق كلها؟ الفارق أن الخنزير الحيواني أكل من الأرض، بينما خنازير الفساد أكلت الدولة، الأول قد يكون قد دخل إلى مكانه بطريق الخطأ أو بسبب إهمال، أما الثاني فقد دخل بمشروع كامل وهو نفوذ، حماية، صفقات، عمولات، محسوبية، وسطاء، ومواقع داخل مؤسسات يفترض أنها وجدت لخدمة المواطن، خنزير في النجف أشغل العراق وفساد يأكل العراق لم يشغله بالقدر نفسه، المشهد العراقي أحياناً يدعو إلى السخرية السوداء، حيوان بري يظهر في محافظة، فينتفض الناس، وتتحرك مواقع التواصل، وتصدر البيانات، وتبدأ التحقيقات والأسئلة، كيف دخل؟ من باعه؟ من ذبحه؟ ومن سمح ببيعه؟ وهذا كله مطلوب، لكن عندما تختفي ملايين أو مليارات من المال العام، أو تتعطل المشاريع، أو تتراجع الخدمات، أو يُحرم المواطن من حقه، أو تتحول الوظيفة العامة إلى وسيلة للثراء، أو تتحول بعض مؤسسات الدولة إلى أبواب للمحسوبية والابتزاز، فإن ردود الفعل لا تكون دائماً بالحجم نفسه، لماذا يخاف المجتمع من لحم الخنزير، ولا يخاف بالقدر نفسه من "لحم الفساد" الذي يأكل جسد الدولة؟ لماذا نغضب من قصاب ذبح حيواناً محرماً، ولا نغضب بالقدر نفسه من فاسد يذبح القانون كل يوم؟ لماذا نلاحق من باع لحماً محرماً، ولا نلاحق من باع القرار العام؟ هذه ليست دعوة إلى التساهل في الأحكام الدينية أو الصحية، بل العكس تماماً، إنها دعوة إلى أن تكون حرمة المال العام وحقوق الناس وكرامتهم حاضرة في ضمير المجتمع بالقدر نفسه الذي نحضر فيه الأحكام الأخر، الحسين عليه السلام ليس شعاراً على الجدران ، نحن شعب يقول إنه متدين، ويستمد من الإمام الحسين بن علي مدرسة في الثورة والكرامة ورفض الظلم، نرفع شعار الحسي، الحسين لم يكن ثائراً من أجل أن يتحول اسمه إلى لافتة موسمية، بل كان موقفه مشروعاً أخلاقياً ضد الظلم والاستبداد والانحراف ، هل نلعن قاتل الحسين لأننا بعيدون عنه أربعة عشر قرناً، ثم نصمت عن ظلم مواطن فقير لهدم بيته على رأسه أنه لا يملك واسطة، هل نبكي على دم الحسين، ثم لا تتحرك مشاعرنا أمام دموع الأرملة واليتيم والعاطل والمريض وصاحب البيت المهدم؟ وهنا يجب أن نقولها بوضوح ، إذا كنا نحرّم أكل لحم الخنزير، فعلينا أن نحرّم في ضمائرنا أكل المال الحرام، وإذا كنا نرفض أن يدخل الخنزير إلى مائدة العراقي، فعلينا أن نرفض أن يدخل الفساد إلى مؤسسات الدولة.

NomE-mailMessage