JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
BASRAH WEATHER
Accueil

إضاعة الفرصة غُصّة...


 الكاتب حسن درباش العامري 
٢٠٢٦/٩/١٨
بغداد

قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: «الفرصة تمرّ مرّ السحاب، فانتهزوا فرص الخير»، وهي حكمة تختصر كثيراً من حكايات البشر؛ فالفرصة لا تنتظر طويلاً، ولا تطرق الباب مرتين بالضرورة، وقد تأتي إلى الإنسان في لحظة لم يكن مستعداً لها، ثم تمضي كما تمضي السحابة في سماء واسعة، فلا يستطيع أن يعيدها ولا أن يطلب منها العودة.وربما هي لاتستجيب لمن يطلب منها الرجوع،
ويقال إن لكل مجتهد نصيباً، ولعل النصيب لا يأتي دائماً لمن جلس ينتظره، وإنما لمن سعى إليه،. (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) ومدّ يده، وخاطر بشيء من راحته من أجل الوصول إليه. فالذي يريد أن يجمع الماء بيديه العاريتين سيخسره حتماً، لأنه اختار الطريقة الخطأ في الإمساك به. والمفارقة ان السعي نفسه لاينفع ان لم يكن الامر مقدرا لك !! فأي مفارقة تلك ؟؟
وقد ينتظر الإنسان فرصته طويلاً، ويراقبها من بعيد، وربما يترك من أجلها فرصاً أخرى، لأنه يعتقد أن تلك الفرصة بالذات هي التي تستحق الانتظار. وكل نفس وما تهوى، وكل إنسان له حساباته الخاصة، لكن ما يجعل الإنسان أحياناً يتباطأ في اللحظة التي ينبغي أن يتقدم فيها، ليس دائماً ضعف الرغبة، وإنما ذلك الحاجز الذي يصنعه بنفسه، أو تصنعه له الظروف، أو يصنعه كلام الناس.
وقد يكون ذلك الحاجز هو الكرامة وعزة النفس.
وهنا تبدأ الحيرة...
هل تكون عزة النفس دائماً في الابتعاد؟ أم أن للكرامة أحياناً معنى آخر، هو أن تعرف متى تتقدم دون أن تنحني؟
ربما نخطئ حين نجعل لكلام الناس مساحة أكبر مما يستحق في حياتنا. فالناس يتحدثون حين تتقدم، ويتحدثون حين تتراجع، ويتحدثون حين تنجح، ويتحدثون حين تفشل، وربما يتحدثون عنك أكثر حين لا تفعل شيئاً!
فلماذا نجعل حياتنا رهينة لألسنة الآخرين؟
لقد خلق الله هذا الكون وفق سنن وقواعد، ومن الإيمان أن نؤمن بأن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. ولكن هذا الإيمان لا يعني أن نجلس في أماكننا وننتظر ما كُتب لنا دون سعي؛ فالقدر لا يلغي العمل، والتوكل لا يعني ترك الأخذ بالأسباب.
قد تكون الفرصة أمامك، وقد تكون أنت من ينتظرها، وقد يكون بينك وبينها حاجز لا يراه الآخرون، وربما تراه أنت وحدك.
فتقول: لا أستطيع... كرامتي لا تسمح... ماذا سيقول الناس؟... ربما يظنون أنني أسعى وراء شيء لا يليق بي...
ثم تمر الفرصة.
وبعد أن تمر، لا يبقى منها إلا السؤال الذي يؤلم أكثر من ضياعها:
ماذا لو تقدمت؟
إضاعة الفرصة غُصّة، لأنها ليست كالأشياء التي نفقدها ثم نستطيع شراء بديل عنها. بعض الفرص إذا ذهبت، ذهب معها زمنها وظرفها وأشخاصها ومكانها، وربما لا تعود أبداً بالشكل نفسه.
لكن السؤال الأهم:
هل كل فرصة تستحق أن نركض خلفها؟
بالتأكيد لا.
فليس كل ما يلمع فرصة، وليس كل باب يُفتح ينبغي أن ندخل منه، وليس كل تنازل عن عائق يعني أننا اقتربنا من هدفنا. هناك أبواب إذا دخلناها خسرنا أنفسنا، وهناك فرص ثمنها أكبر من فائدتها، وهناك مواقف يكون الانسحاب منها انتصاراً للكرامة لا هروباً منها.
إذن ليست الحكمة في أن تنتهز كل فرصة، وإنما أن تعرف أي فرصة تستحق أن تنتهزها، ومتى تتقدم، ومتى تتوقف، ومتى تقول لا.
ولعل أصعب ما في الأمر أن الإنسان لا يعرف دائماً هل كانت الفرصة التي تركها أمامه هي فرصته الحقيقية، أم أنها كانت مجرد طريق لم يكن مقدراً له.
فهل لو انتظر الإنسان فرصة ما، ثم لم يسعَ إليها، تكون قد ضاعت منه لأنها لم تكن مقدرة له؟
وهل لو سعى وراء فرصة لم تكن من نصيبه، استطاع أن يجعلها نصيبه بمجرد السعي؟
أم أن القدر كان ينتظره في مكان آخر، وأن ما ظنه خسارة لم يكن إلا إبعاداً له عن طريق لم يكن طريقه؟
لا أحد يستطيع أن يجيب عن هذه الأسئلة ونحن ما زلنا نعيش الحكاية.
لكنني أعرف شيئاً واحداً...
أن الفرصة حين تمر أمامك، لا تسألها كثيراً إلى أين ستأخذك، ولا تسأل الناس ماذا سيقولون عنك. اسأل نفسك أولاً: هل أستطيع أن أقبل خسارتها غداً؟
فإن كانت الإجابة لا...
فلا تجعل التردد يسرق منك ما قد لا يمنحك الزمن فرصة لاستعادته.
فالفرص تمر مرّ السحاب...
ومن وقف طويلاً ينظر إلى السحابة، قد يستيقظ ذات صباح ليكتشف أن السماء أصبحت صافية، وأن الغصّة بقيت في صدره.
تأملات وحقائق بقلم 

NomE-mailMessage